نجيب محفوظ ودراما العلاقة بين المثقف والسلطة

عاش 42 سنة في مصر الملكية، وعاش 52 سنة في مصر الجمهورية، عاصر أربعة حكام في مصر ما قبل الثورة، وأربعة آخرين فيما بعدها، بدأ حياته في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، وانتهت في عهد حسني مبارك، أطول فترة عاشها خلال مصر الملكية كانت في حكم الملك فؤاد (1918ـ 1936)، وأطول فترة في عهد الجمهورية كانت تحت حكم الرئيس حسني مبارك (1981 ـ 2006).

عاش في مصر الواقعة تحت النفوذ العثماني، وفي مصر المحتلة من الإنجليز، وعاش نصف حياته في مصر وهي تحاول أن تنفض عنها أغلال الاستعمار الأجنبي وقيود الاستبداد الملكي، ثم استقبل وهو في منتصف العمر ثورة كبرى على الأوضاع القديمة، أيدها وانتمى لها، ونقدها، وكان يأمل منها أكثر مما حققت، ففقد حماسه لها، وفي كل الأوقات ظل وفياً لوفديته.

مثل أي مصري كان محفوظ يتجنب السلطة، لا يتقرب منها، ولا ينافقها، إلا في الحدود الدنيا، وربما بعد ضغط وإلحاح، وهو إن فعل فمن منطقة “المسالمة” وتجنب ضررها، عاملاً بالحكمة الشعبية المصرية القائلة: “يا نحلة لا تقرصيني ولا عايز عسلك”، خاض غمار “الوظيفة” حتى وصل إلى محطته الأخيرة بالمعاش، وخاض مغامرة الكتابة حتى حدودها القصوى، لم توقفه عقبة، ولم يتوقف عند قيود.

كتب “أولاد حارتنا” التي حاكم فيها بناء الأفكار في المؤسسة الدينية بما لها من سطوة في المجتمع على عقول الناس، وكتب “ثرثرة فوق النيل” ينتقد فيها السلطة السياسية نقداً لاذعاً على لسان “المساطيل” في ملهاة ساخرة حد البكاء.

السياسة حاضرة في جميع ما كتب، والصراع السياسي عنده موجود حتى في رواية “أولاد حارتنا”، ورغم ذلك نجده ميالاً للعزوف عن الخوض في أي حديث مباشر في السياسة، أو التورط في تفاصيلها اليومية، يدفعه إلى ذلك حرصه على حماية نفسه وتجنبه لصراعاتها من ناحية، وحرصه على أن يهيئ لنفسه الظروف اللازمة لاستمرار إنتاجه الأدبي من ناحية أخرى، كانت الكتابة الأدبية هي هدف حياته الوحيد، وقد قال مرة إنه يشعر بأن الموت سوف يجيئه متى توقف عن الكتابة، كانت الكتابة بالنسبة له مسألة حياة وموت، ولم يكن ليغامر في الدخول بنفسه فيما يمكن أن يتسبب في تعويقه عن الاستمرار في الكتابة.

أقام محفوظ على الدوام سواتر حوله حفظته إلى حد كبير من بعض العواصف التي أثرت في حياة الكثيرين من المثقفين في جيله، والأجيال التالية، خاصة العواصف السياسية وتقلباتها وما يترتب على الانغماس فيها من مصاعب ومنغصات كثيرة إذا ما اصطدم رأي الكاتب بالسلطة، وكان يرى أنه في غنى عن كل ذلك، وأن كل إنسان ميسر لما خلق له.

تأثر مبكراً بميول أبيه الوفدية، وتشرب منه حبه لزعيم الأمة سعد زغلول، وتولى مدرسوه تزكية تلك الروح الوطنية لديه، فكانوا يشجعونه هو وغيره من الطلاب على الخروج في مظاهرات للمطالبة باستقلال مصر، وهي المظاهرات التي كان يحرص على المشاركة فيها بطفولية أولاً، ثم بمشاعر وطنية متأججة فيما بعد حين شب عن الطوق.

اقتصرت مشاركاته السياسية على المظاهرات الوطنية، وحرص دوماً على الابتعاد عن أي علاقة مباشرة مع المسؤولين السياسيين، ولم يحدث أن شارك في أي حزب سياسي، بما فيها حزب الوفد الذي انتمى إليه وجدانياً واعتنق مبادئه وأفكاره، واكتفى بأن يعبر في رواياته عن رؤيته النقدية للواقع الاجتماعي والسياسي المصري على مر العصور، ومن موقع اللامنتمي إلى أي جماعة سياسية انتقد محفوظ الطبقة السياسية الحاكمة في كل أعماله الروائية، حضرت السياسة في رواياته بالمفهوم العام لها، وغابت السياسة بمفهومها الحركي اليومي وبتفاصيل صراعاتها الحزبية، فلم تكن مثل هذه الصراعات تستهويه ولا تثير اهتمامه، وربما كانت تثير امتعاضه.

**

كان محفوظ ينتمى إلى جيل يعشق سعد زغلول ومصطفى النحاس، ويؤمن إيمانا عميقا بالديمقراطية السياسية، يقول: “قبل الثورة كان هناك ملك وإنجليز وشعب يمثله الوفد”، ويصف الحكم وقتئذ بأنه حكم أوتوقراطي”، ولا يمكن اعتباره حكماً ديمقراطياً في وجهة نظره، خاصة أن الوفد صاحب الأغلبية الكاسحة لم يتمكن من الحكم إلا ست سنوات فقط، لكنه يستدرك فيقول: “إنما كان هناك شعب حي مثله حزب قوي يقاوم الاحتلال من جهة والملك من جهة ثانية والملك رغم سلبياته لم يحكم وحده، بل دائماً كان معه مجلس نواب ومجلس شيوخ وصحافة، وفي أسوأ الظروف كان هناك قضاء مستقل وقدر من الحرية الثقافية، وكان العصر فيه مظاهر الحياة الديمقراطية وليس فيه ديمقراطية”، ويرى العيب الأكبر فيما قبل ثورة يوليو يتمثل في غياب البعد الاجتماعي، “فالظلم الاجتماعي في تلك الفترة لا يمكن الدفاع عنه” .

أقبل نجيب محفوظ على ثورة يوليو مؤيداً ولكنه أعرض عنها فيما بعد ناقداً، وبقي على ولائه الأول دون أن يهتز أو ينقص، ويمكن أن تحسبه على يسار الوفد، وهو نفسه يعترف بأن الوفد كان قد مات بعد سنة 1936، وعاش بعدها إلى قيام الثورة حياة مفتعلة، وكان أمله في تلك الفترة أن يتقوى الجناح اليساري في الوفد ليفتح صفحة جديدة في حياة الأمة تضاف إلى صفحة 1919، ورغم ذلك كان انحيازه في الصراع بين عبد الناصر ومحمد نجيب موجهاً إلى نجيب “لأنه كان منحازاً للوفد والديمقراطية”، وكان يعتقد أن “عبد الناصر لو كان انحاز إلى الوفد لتحقق له شعبية ساحقة، ولتغير وجه مصر”.

كان نجيب محفوظ يشعر بالامتنان لنظام عبد الناصر بسبب إجراءاته الاقتصادية وما فعله للفقراء، لكنه لم يغفر له الكثير من الإجراءات التي رآها ديكتاتورية، ولم يكن على استعداد لأن يتغاضى عن القيود المفروضة على الحريات في سبيل تحقيق التقدم في مجال العدالة الاجتماعية، وكان أكثر إدراكاً بدور الديمقراطية في تقدم الأمم، ومن هذا الإدراك تناول النظام السياسي في كثير من رواياته، وإن لم يتجاوز الخطوط الحمر التي يمكن أن تعرضه لمشاكل مع السلطة، يقول: “كنت أكتب بحرية تامة، ولكن لا شعورياً أقف عند حدود معينة قبل الثورة وبعدها، رغم ذلك كتبت أشياء أثناء حكم جمال عبد الناصر اعتبرها البعض ضرباً من الجنون”.

وقد كانت أحكامه على حكام مصر الذين عاصرهم تنطلق من ضعف رؤيته وعدم تماسكها فهو يراهم كلهم ناساً طيبون، ولكل منهم عيوبه كما أن له ميزاته التي تغفر له بعض تلك العيوب، حتى الملك فاروق، رأى فيه نجيب محفوظ ما لم يره غيره من كتاب التاريخ، وعبر عن اعتقاده بأنه لو تجنب الوقوع في بعض الأخطاء لكانت الملكية استمرت حتى يومنا هذا في مصر، وهي درجة تسامح ربما تصلح في العلاقات الشخصية والاجتماعية ولكن المؤكد أنها لا تفيد في تقييم موضوعي لحركة التاريخ ولا في تقدير الأوضاع السياسية المتغيرة.

يمكنك بسهولة أن تكتشف مواقف نجيب محفوظ من السياسات المطبقة في عصر من العصور، ولكنك لن تستطيع بالسهولة نفسها أن تحصل على موقف محدد وواضح يدل على معارضة لنظام معين في الحكم أو لشخص معين من الحكام.

كتب نقداً للسياسات في عهد عبد الناصر، وبعض روايته كادت أن تتسبب في أذى له، مثل “ثرثرة فوق النيل” ومن بعدها “ميرامار”، ولكن توقف الأمر عند غضب بعض جهات الحكم منه، واستطاع عبد الناصر أن يستوعب هذا الغضب.

ظل محفوظ يتجنب الدخول في مواجهات سياسية علانية مع السلطة، وحافظ على استقلاليته بعيدا عن الأحزاب والأطر السياسية، ولذلك لم يدخل السجن لا في فترة الملك، ولا في فترة عبد الناصر، ولا في فترة السادات، كما حدث لمعظم المبدعين المصريين، وكانت المرة الوحيدة التي اتخذ فيها موقفاً معلناً من السلطة السياسية حين وقّع على العريضة التي أصدرها عدد من المبدعين بمبادرة من الكاتب توفيق الحكيم ورفعوها إلى الرئيس السادات في فترة “اللاسلم واللا الحرب” يطالبون فيها بالإفراج عن الطلاب المعتقلين جراء احتجاجاتهم على عدم حسم قرار المعركة ضد إسرائيل، فكان على رأس قائمة الممنوعين من الكتابة التي أصدرها الرئيس السادات في 4 فبراير سنة 1973 وشملت أسماء كبيرة وعديدة مثل توفيق الحكيم ويوسف إدريس وأحمد بهاء الدين ومحمد عودة ومحمود أمين العالم وغيرهم ثم صدر إلغاء المنع عن نجيب محفوظ في 28 سبتمبر من العام نفسه أي قبل حرب أكتوبر بثمانية أيام.

محفوظ الذي عمل موظفاً لدى الحكومة إلى أن خرج إلى المعاش حين وصل إلى سن الستين وكان يردد: “مصر بلد وظائف”، وكان يُسر إلى أصدقائه المقربين: “عشت طول عمري أتمنى ترك الوظيفة، ولكنني لم أستطع بسبب احتياجي لراتبها”، كان يخشى على مستقبل بناته لو أنه ترك الوظيفة المرموقة والمرتب المضمون والموقع الاجتماعي المعتبر ليعتمد على ثمار الأدب التي قد تأتي أو تتأخر، وكان يقول:” مفيش حاجة تذل الرجل إلا الأولاد”.

أمان الوظيفة إضافة إلى الطبيعة الشخصية لنجيب محفوظ لم تجعله في أي يوم من الأيام «رجل معارك» في الواقع الأدبي والسياسي في مصر، وقد تحاشى دوماً صخب هذه المعارك، وربما لذلك لم تنزلق قدماه يوما إلى السجن في أي مرحلة من حياته، وعلى هذا المنوال كان حديثه في جلساته وندواته لا يشارف السياسة، بل يتجنب الحديث عنها ولو اضطر إلى ذلك يكون كلامه مقتضباً جدا وغير مباشر، وأحيانا بصورة رمزية، كان يؤكد دوماً أن معركته الحقيقية مع الورق، مع فعل الكتابة والإبداع نفسه، وظل وفياً لتلك النظرة حتى رحيله.