مشروع البؤس القومي

ما طرأ من تغيّرات على المجتمع المصري ليس أمرًا تقليديًا من تلك التغيرات التي تصاحب التطورات السياسية والاقتصادية والتقلّبات في توجّهات الحكومة وغيرها من عوامل. الأمر تلك المرة يتعدّى كونه مجرد رد فعل مجتمعي على سلسلة من الكوارث السياسية والاقتصادية، يتعدّى ذلك إلى كونه انتقال المجتمع المصري من حال إلى حال بشكل شبه تام، فقد تولّدت وتفشّت صفات وانطباعات، هي بالطبع لم تنشأ من العدم، وإنما تطوّرت بشكل سريع وفاجئ إلى الأسوأ وربما إلى الأشد سوء على الإطلاق. ليس الأمر بسيطًا ولا هيّنًا كما قد يتخيل كثيرون وكأننا في حالة طارئة ستمر وتعود الأمور إلى نصابها، هذا ما قيل وشاع بيننا كلما ازدادت الأمور كارثية، فهناك فارق كبير بين الظرف الاقتصادي القاسي والذي تصاحبه “ظواهر” اجتماعية سلبية، وبين السقوط الاقتصادي والإفقار الممنهج وتحويل المستور إلى فقير والفقير إلى مُعدم والمُعدم إلى ميّت، ففي الحالة الثانية سنجد أننا بصدد تكوين ميليشيا جديدة من نسخ جديدة مشوهة من مواطنين كان لكل منهم مكان داخل بلاده، وإن كان المكان ليس بالمناسب بالأساس، وأصبحوا الآن بلا قدرة على تأمين الوجبة التالية في وجبات اليوم.

هذا بالنسبة للبُعد الاقتصادي، وبالصراحة الفجّة التي لا يجب أن نحيد عنها الآن وإن كره هواة تزيين الخراء بالورود، فنحن –حرفيًا-أمام زوال مفهوم “الإنسان العزيز” الذي هو قوام المجتمع المصري والصمام الوحيد المتبقي في الشارع المصري الذي يحول دون تحوّل الشارع إلى جحافل إما من الجناة أو اللامباليين بمن يأكلون بعضهم البعض.
مؤكد أن البُعد الاقتصادي لن يقتصر على تلك الظواهر فقط، بل إن الأمر يطول شرحه وتقديمه وقد يحتاج إلى مجلدات، ولكن إن كان علينا أن ننتقل إلى باقي التغيّرات فنحن أمام أمر آخر وهو التغير السياسي والذي انتقل بالدولة من “نظام يتصنّع الحرص على المواطن” وهو الحال الذي كانت تضطر فيه الدولة إلى الالتزام ببعض الثوابت المتعلقة بأساسيات حياة المواطن ووضع سقف –وإن كان سقفًا قاسيًا- لمعاناته وما يتربص به من مخاطر، إلى “نظام لا يعبأ بالمواطن ولا حالته الإنسانية أو الاقتصادية” وبشكل مباشر فإن النظام السياسي في مصر يحدثنا عن أرقام وأرصده وشؤون يجب أن نتعامل معها داهسين بعضنا البعض في سبيلها إلى حين تحققها. نظام سياسي يقف ضاربًا بيده سطح مكتبه غاضبًا –بحق ودون تصنّع- من المواطن الذي يتحدث عن الجوع والفقر والمرض واختلال الأمن والشحن الطائفي والتهجير على الهوية واختطاف الأطفال والإتجار بالأعضاء والتحرش الجنسي والاغتصاب واغتصاب الأطفال وتفشي السرقة بالإكراه وتلوث المياه وندرة الدواء وغلاء المعيشة ولا يقدّر شبكة الطرق ومشروع العاصمة الإدارية الجديدة. نظام سياسي لديه خلط ضخم بين “تحمّل الكرب” و”الموت كربًا” وهو يتصنّع العجز عن تقديم أقل حقوق المواطن في الحياة، لن نقول حياة كريمة بل الحق في الحياة فقط.

البُعد الآخر هو البُعد القِيَمي، نحن أمام دولة ونظام حاكم يتحدث هو ومؤيديه وحبايب مؤيديه والراجل الواقف جنب مؤيديه عن الأخلاق. يتحدثون عن الأخلاق كل ثمان ساعات كالمضاد الحيوي، فتارة يخرج علينا مسؤول أمني يتكلم عن “قلة أدب” الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي، وتارة يخرج علينا فنان مسرحي سابق ومؤيد ونباطشي سياسي حالي يحدثنا عن ثورة الأخلاق المطلوبة، وفي كل ساعة يظهر لنا من باطن الأرض من يحدثنا عن القيم المفقودة والتي هي سبب البلاء، في محاكاة للأنظمة الثيوقراطية التي تُرجع ما ابتلت به الشعوب إلى نقص الدين والفضيلة. بينما وحين نتتبع ما تنشره تلك الحكومة من قيم سنجد أنها قد أخذت على عاتقها هدم كل ما له أي صلة بالقيم من قريب أو بعيد، كقيمة الأرض والتعلق بها والموت في سبيلها، وقيمة الكرامة الإنسانية. قيمة الجمال والفن، قيمة الحب والتآخي، وحتى القيم الشكلية التي تاجرت بها الأنظمة بعد تفريغ محتواها مثل “احترام القضاء كسلطة محايدة مستقلة” و”الوحدة الوطنية” وقيمة الحرية الشخصية، حتى تلك القيم تُهدم الآن بشكل ممنهج ومنظّم من سُلطة تحدثنا بتلك القيم نفسها بشكل يومي حتى أصبحنا نتناولها بمنطق كوميدي هزلي. وقد أصبحنا الآن مضطرين إلى تبرير وبرهنة أهمية الأمور المنطقية والطبيعية مثل المساندة المعنوية والتآخي والدعم النفسي والمؤازرة، أصبحنا نقف بموقف دفاعي أمام من يستهينون بأي شيء وكل شيء بعد أن أصبحنا بين ليلة وضحاها مهددين –جميعًا- بالموت جوعًا أو قتلًا على الهوية أو مرضًا بلا قدرة على العلاج، وأصبحنا نشاهد الأخبار المريعة دون أن نجهش بالبكاء. فنحن أمام منظومة مشروعها الأكبر هو زراعة القسوة وصناعة العدوانية وتجارة البؤس.