كاتبة تعاير شعبًا بالعمل

وجدت أحدهم على موقع فيسبوك وقد قام بنشر مقال منسوب لكاتبة سعودية الجنسية، وكتب فوقه تعليقًا على ما جاء به ما أفهمني بأن المقال قد وجّه إهانة للشعب المصري. ولأنه ليس من عادتي أن أتخذ من قشور الأمور ما أبني به حكمًا على ما يجري، فقد قررت قراءة المقال والذي جاء عنوانه على نحو يمهّد للحديث عن قضية تسليم جزيرتي تيران وصنافير لمملكة عائلة الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود والتي تقع الكاتبة المذكورة تحت دائرة حكمهم.

المفاجئ هو أنني بمجرد بداية القراءة في المقال لم أجد عن تيران وصنافير شيئًا، فقد كنت أنتظر في المقال ما قد أختلف معه ولكنه بالتأكيد سيكون مفيدًا أن أقرأ من الطرف الآخر عن قضية أحيت في نفوسنا ذكريات النضال والاجتماع على الحق حتى في أسوأ الظروف. المفاجأة الحقيقية هي أن المقال كان يدور حول فكرة مبهمة وهي التي بدأتها الكاتبة التي تحمل اسم “زينب”، ذلك الاسم المحبب لدى المصريين، بأن الرسائل قد انهالت عليها من عموم المصريين في تهافت على معرفة رأيها في قضية تسليم الجزر للمملكة. بدأت في التركيز بداية من الجملة التالية للعبارات التي تصف كم الرسائل المنهمرة كأمطار استوائية على صندوق بريدها الإليكتروني شديد الأهمية، وذلك لكي أعرف كيف أجابت من وصفتهم بـ”العقلاء” ومن خلاله أستدرك موقفها الشخصي ككاتبة سيّدة في مجتمع يحرم المرأة من التنفس دون وجود محرم، ولكنني ما وجدت أي جواب قط.

قفزت زينب قفزة عجيبة في الحديث لتتكلم عن “الشعب المصري”، عن 100 مليون مواطن قررت أنها تعرفهم جيدًا فاستبشرت خيرًا بسيّدة جاءت من مجتمع يحتقر المرأة ويعمل على تهميشها وهي الآن تهم بالرد ذي الأبعاد الديموغرافيّة على اتفاقية عارضت السُلطة المصرية فيها رأي الشعب وبالتأكيد لم تأخذ السُلطات الملَكية السعودية رأيها فيها، ليس فقط باعتبارها مواطن في مملكة لا يشارك في صنع الرأي فيها لا من قريب ولا بعيد، بل لأنها تحيا في مجتمع يراها كائن ناقص لا يجدر به التعبير عن شعوره ورأيه، فما بالنا بالحديث السياسي هنا؟
المهم أنني تحمست ولكنني وجدتها تبني تأييدها الواضح للعيان للاتفاقية على محاور ثلاث ليست بجديدة ولكن باغتتني الصراحة المفرطة ذات الصياغة الأدبية الأقرب إلى الصراخ أو العراك. وقبل الخوض في تلك المحاور لاحظت أيضًا أنها تصف الاتفاقية بمنتهى الصراحة بأنها “صفقة بيع” في مقابل المساعدات التي تحصل عليها “مِصر” من بلادها، أو ملك بلادها، أو ابن الملك المؤسس للمؤسسة التي تحكم بلادها، وبالطبع دون أي دور لزينب في الأمر من قريب أو بعيد. إذن فنحن على وفاق إلى هذه النقطة، وهذا بالتأكيد ما رفضه الشعب المصري بأن يبيع أرضه بالمال بعد أن ابتاعها بالدماء والتاريخ “تلك المسميات التي لا معنى لها لدى زينب بالتأكيد”.

والمحاور التي استندت لها زينب في تأييدها لصفقة بيع تيران وصنافير مقابل المليارات التي ذكرتها في مقالها هي:
1/ أن هناك مصريين يعملون من أجل لقمة العيش، ولا سيّما في المملكة التي تنتمي إليها زينب: وهي نظرة تقليدية جدًا وغير غريبة على المجتمعات التي تلعن العمل وتعتبره أحد مظاهر الفقر بينما تقدّس البطالة طالما هناك أموال، وكأن العمل لكسب العيش عارًا ملتصق بجبين المصريين، وقد خصّت بالذكر العمالة المصرية بمملكة آل سعود وكأنها سُبة أن تتوافر فرص عمل لمواطن له قدرات ذهنية وبدنية تؤهله للعمل في مكان لم يوفَّق فيه شخص للقيام بذات العمل! وكأن الكفاح على لقمة العيش هو مهانة، أو ربما أن يكون الكفاح هذا على أرض المملكة هو المهانة المقصودة، ولكن في كل حال هي تجد أنه من التبجّح أن تعمل في بلادنا ثم تطالب بحقك في بلادك. وزينب افترضت هنا –كسائر أبناء وبنات مجتمعها- أنه إذا بُلينا بالعمل فلنستتر، فالمجد للبطالة التي تفسد معها خلايا المخ لتدفع الإنسان للتفكير بهذا المنطق.

2/ أن الشعب المصري فقير ومريض، وهنا نأتي إلى النقطة التقليدية الثانية لثقافة المجتمع الذي تنتمي له زينب والتي تجد أن الفقر سُبّة والمرض مدعاة خنوع وصمت وهي لا تُدرك أنها، وفي تلك الأيام الغبرة، قد أوحت إلينا بما يدعو لمزيد من الفخر… فبالفعل المواطن المصري رغم كل ما يعانيه من فقر، بل وإفقار ومرض وتضييق أمني وغلاء ومعاناة يومية يحملها على كاهله، إلا أنه مازال قادرًا على الكفاح من أجل الأرض والمبدأ والفكرة غير الملموسة وغير المقدّرة بثمن. حقًا، المواطن المصري المدفوع دفعًا للفقر والمرض والملاحقة ما زال قادرًا على التفكير في أمور لا تمس لقمة العيش والدواء والمُتنَفّس، بل تمس الكرامة والمبدأ حتى في عز أزمته. وهنا يجب علينا تحيّة زينب لأنها –بينما تحاول توجيه الإهانة- لفتت نظرنا، ليس فقط إلى تلك النقطة المضيئة على جبين المواطن المصري، ولكن إلى أنه لا مكان لتلك القيم في إدراكها وإدراك من حولها حتى أنها تعتبر التمسك بالأرض في ظل الفقر والجوع والمرض أمر يدعو للسخرية.

3/ أن السُلطات المصرية قد حصلت على المقابل المادي للجزيرتين، وهنا لم أجد أي معانٍ للكلام! فما النقطة المطلوب الوصول إليها من خلال تلك الحُجة؟ عليها أن تناقش هذا الأمر مع ملكها وولده لتستجوبهما بخصوص الأموال التي ألقوا بها دون الرجوع للشعب إن كانت هنالك آلية لذلك، أما نحن فيكفينا فخرًا أن تلك الاتفاقيات التي رفضناها وأثبتنا موقفنا فيها ألف مرة بكافة الأثمان، لم تُدخل إلى جيوبنا وخزائننا إلى مواقف جديدة ناصعة تسجّل في سجلات هذا الشعب الذي يواجه السب من ناحيتها والتجاهل من ناحية حكّامه لمجرد أنها تريد أن تعبّر عن تأييدها لقرارات واتفاقيات ملكها وولده ولكن بطريقة مبتكرة، كطريقتها في قيادة السيارة خارج حدود بلادها بالتأكيد.