قراءة فى بيان ثورة يوليو

بالطبع لا أقصد يوليو 1952 حيث لازال الخاطر الأقرب للأذهان عند ذكر يوليو هو الحديث عنها باعتبارها ثورة لدى البعض وانقلاب لدى آخرين، وبصرف النظر عن مسألة انقلاب تحول الى ثورة أو ثورة تحولت إلى انقلاب، فالعبرة بالمآلات التى وصلنا إليها، وربما كان توصيف الراحل السيد ياسين لما جرى فى 30 يونيو باعتباره انقلابا شعبيا توصيفا معقولا لوصف ما جرى فى 30 يونيو لكننا نناقش عبر السطور القادمة ما ورد فى بيان 3 يوليو، تلك اللحظة الحاسمة من عمر الوطن التى مثلت بالنسبة للبعض فرصة تاريخية تقدم فيها الجيش ليصلح عوارا فى نظامنا السياسى، ويفتح الباب لموجة جديدة من موجات التداول السياسى يعود بعدها الجيش إلى ثكناته ليواصل دوره الوطنى فى حماية الحدود، ملتزما بما سماه فى بيان يوليو تلبية نداء الشعب ، “إن القوات المسلحة لم يكن فى مقدورها أن تصم آذانها أو تغض بصرها عن حركة ونداء جماهير الشعب، التى استدعت دورها الوطنى وليس دورها السياسي، على أن القوات المسلحة كانت هى نفسها أول من أكد ولاتزال وسوف تظل بعيدة عن العمل السياسى”، ثم أردف البيان القول أن “الشعب الذى يدعوها لنصرته لا يدعوها لسلطة أو حكم، وإنما يدعوها للخدمة العامة والحماية الضرورية لمطالب ثورته، وتلك هى الرسالة التى تلقتها من كل حواضر مصر ومدنها وقراها وقد استوعبت بدورها هذه الدعوة وفهمت مقصدها، وقدرت ضرورتها واقتربت من المشهد السياسى أملة وراغبة وملتزمة حدود الواجب والمسئولية والأمانة”.

وجريا على منطق الواجب والمسؤولية والأمانة التى ألزمت المؤسسة العسكرية الوطنية نفسها به، نقول لها بنفس الحب والمودة التى تنضح بها بياناتها فى الغالب الأعم:

إن الدور الذى قمت به دور وطنى فى شقه الأول، وهو إبعاد الحكم الإخوانى الذى تنكر لمبادىء الشراكة الوطنية وحاول تغيير هوية الدولة التى كانت تخطو بخجل نحو مسار الدولة الوطنية، أما الشق الثانى من المهمة والذى يبقى وطنيا وليس سياسيا هو رعاية انتقال سلمي للسلطة يضمن فتح المجال لبدائل مدنية كانت متاحة، فإن القوات المسلحة استخدمتها فقط فى إسباغ المشروعية على إجراءات خلع الإخوان، واكتفت منها بهذا الدور واعتبرتها بعدها تهديدا جديا تعاملت معه بقسوة ناعمة، عبر إجراءات الشيطنة والتحجيم التى برعت فيها الدولة المصرية وتوارثتها عبر عقود، لم يطل رأس مدنى على المشهد إلا وتم قطعه أو تشويهه ليختفى تماما من ساحة النزال، إرادة المؤسسة العسكرية قدرت أنه كفانا شهور من السياسة والحرية وعلينا أن نعود سريعا إلى ما اعتدناه من حياة، ولم يكن فى ذلك وطنية ولا سياسة فى الحقيقة.

تحدث بيان القوات المسلحة عن محاولات لرعاية مصالحة وطنية وحوار وطنى بين الفرقاء ساهم فى فشله لاشك الإخوان بتعنتهم، لكن ما يجب الإقرار به أن أطرافا بعينها داخل الدولة القديمة كانت تريد ألا ينجح هذا الحوار وأن تفشل كل الحلول السياسية، وصرحت رموز تنتمى للدولة القديمة قبل أن تطأ أقدام مرسى حتى قصر الاتحادية أن الإخوان سيحكمون لعام واحد وسيذهبون بعدها، ولم يكن فى ذلك لا وطنية ولا سياسة ولا خُلق حتى، تحدث البيان عن تقدير موقف أجرته القوات المسلحة للأوضاع محليا وإقليميا ودوليا، فهل أجرت بعدها أى تقديرات مواقف لتحدد واقع الحال والمآل، أخيرا حدد البيان مجموعة من الخطوات التى تكون خارطة طريق لم تلتزم القوات المسلحة بمواعيدها بشكل دقيق، فضلا عن عدم تنفيذ بنود بعينها ربما لأنها كانت ذرا للرماد فى العيون فى سبيل تمرير الخارطة على الجميع، منها إقرار ميثاق شرف إعلامى يكفل حرية الإعلام ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة وإعلاء المصلحة العليا للوطن، طبعا واقع الإعلام المصرى منذ هذا التاريخ لا يخفى على ذى عينين ، الناس ترفل فى أجواء حرية الإعلام ومهنيته وحيدته التى جابت شهرتها الآفاق!!

تحدث البيان عن تشكيل حكومة كفاءات وطنية قادرة تتمتع بجميع الصلاحيات لإدارة المرحلة الحالية، ولم نلمح فى الحقيقة ظلا لحكومة بهذه المواصفات إلى اليوم بعد مرور أربعة سنوات، لا فى شخص رئيسها ولا حتى أحد وزرائها، والكل يعلم الأسباب طبعا فالمؤسسة اختارت أن تحول الوزارة الى أحد فروع الهيئة الهندسية.

فى جانب آخر يتعلق بأهم مقومات الأمن القومى وهو السلم الأهلى دعا البيان إلى تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية، من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات، وقد ترنح هذا البند كغيره ودخل الى أدراج النسيان عمدا بل وتأكذ ذلك بتصريح من أحد أعضاء البرلمان المصنوع “الملاكى”، أن مشروع لجنة المصالحة الوطنية لن يعرض على البرلمان، وأنه لم يعد مطروحا، وهو تصريح يعبر عن حالة الاحتقار للرأى العام وللدستور، الذى أضحى لونا مميزا للحكم الحالى، الذى لم ينس أن يرجو الشعب فى هذا البيان أن يحافظ على التظاهر السلمى قبل أن يصادر هذا الحق تماما مع غيره من الحقوق فى سياق دوره الوطنى وليس السياسى.

قد يتهمنى البعض بالسذاجة لإطلاق هذه الشجون، لكننا سنظل نذكر كل نظام حاكم بما صدق فيه أو كذب، وسنظل نوصيه باحترام القانون والدستور واحترام تعهدات قطعها على نفسه عسى أن تصادف كلماتنا لحظة حياة ضمير أو تنبه عقل أو دين، لتعصمه من شرور كثيرة ستثقل كاهله يوم الحساب، الذى يقول أنه استعد له جيدا، وهى تلك الكلمة التى لم يقلها أحد من الأولين والأخرين، فالكل يبقى أسير ضعفه ونقصه البشرى مادام بشرا سويا لذا شرع الله لنا الشورى أو الديمقراطية .