فى انتظار الذئاب

 

لم يكن حكامنا يحتاجون إلا إلى قراءة سياسية رشيدة لأوضاعنا المعيشية والديمقراطية المتدهورة لكى يدركوا أن طاحونة الإرهاب لن تكف عن الدوران، إذا استمروا فى حكم البلاد بنفس العقلية الأمنية التى أداروها بها خلال السنوات الثلاث الماضية، فالإرهاب الذى  اندلع فى سيناء عقب الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين ولايزال مستمرا حتى الآن ، بدأ  يطل برؤوسه السوداء فى عدة محافظات أخرى بعد إحكام هذه العقلية الأمنية قبضتها الخشنة على مقاليد الحكم ،حيث تراوحت هذه الهجمات الإرهابية مابين استهداف مديريات الأمن، واغتيال رجال القانون العدالة، والهجوم على الكمائن الشرطية، ثم دور عبادة المسيحيين فى القاهرة والأسكندرية وطنطا، واستهداف الرحلات الدينية للأديرة، وتفجير منشآت ومرافق عامة، رغم صدورعدة تصريحات حكومية خلال السنوات الماضية بأنه قد تم القضاء على 90% من بؤر الإرهابيين  فى سيناء، وأن الحرب على الإرهاب على وشك الإنتهاء، وهو ما أثبتت الأيام عدم صحته!

وقد كان اللافت للنظر خلال الأيام الماضية وجود تطور نوعى  خطير فى العمليات الإرهابية، يمكنه أن ينقل الصراع بين الدولة والجماعات الإرهابية  إلى مستويات أكثر عنفا وضراوة، فبجانب العمليات التقليدية، دخل عالم الإرهاب  ظاهرة ” الذئاب المنفردة ” وهو تكنيك إرهابى يعتمد على وجود خلايا تتكون من فردين أو ثلاثة ، تقوم بعمليات ارهابية بدون وجود أى علاقة واضحا لها بتنظيم ما، ولها حرية كبيرة فى اختيار أهدافها، وقد تتواصل فيما بينها عى طريق شبكات الإنترنت فى حالات الضرورة، وهى ظاهرة منتشرة فى دول أوروبا، ولم تستطع أجهزتها الأمنية كبح جماحها حتى الآن.

وقد كان  الهجوم على سيارة شرطة بالبدرشين الذى أسفر عن استشهاد 5 من قوات الشرطة، مثالا واضحا على طريقة عمل هؤلاء”الذئاب” ، الذين نفذوا عمليتهم فى وضح النهارثم هربوا على موتوسيكل دون أن يعترض طريقهم أحد، وهى العملية التى تلتها قيام أحد “الذئاب” بطعن سائحتين ألمانيتين حتى الموت وإصابة اربع سائحات اخريات فى الغردقة  قبل أن يتم إلقاء القبض عليه، ثم محاولة احد الشباب- لا أدرى حتى كتابة هذه السطور إن كان ” ذئبا منفردا أم لا –  ذبح حارس كنيسة القديسين بالأسكندرية.

كان الملاحظ  فى حادث البدرشين، من خلال الفيديو الذى صور العملية من بدايتها حتى نهايتها وانتشر على مواقع الانترنت، هو رد الفعل غير المبالى أو السلبى لمن تصادف مرورهم بالشارع خلال تنفيذ هذه الجريمة، والذين بدا عليهم وكأنهم يشاهدون عملية إرهابية فى التليفزيون أو على كوكب آخر، وربما يكون التفسير المنطقى الوحيد لهذا السلوك، هو انه جاء كرد فعل طبيعى تجاه السلطة لإقصاء الجماهير من المشهد السياسى والاقتصادى، وتهميش دورهم بل بالأحرى وجودهم نفسه عند اتخاذ القرارات المصيرية، فلا يوجد مواطن واحد  فى أى دولة فى العالم  مستعد لأن يغامر بحياته للوقوف بجانب سلطة تنتنهك حقوقه الأساسية، وتقمع حرياته بلا أى سند من قانون أو دستور، كل ما يمكن أن يقدمه هو التعاطف مع الضحية لاأكثر ولا أقل!

فى مثل هذا المناخ غير الديمقراطى ، ستجد ” الذئاب المنفردة ” كل ما تحتاجه من مبررات  لتنفيذ عملياتها الإرهابية ، سواء من غضب شعبى تغلق السلطة كل الطرق السياسية للتنفيث عنه، ومن انقسام مجتمعى يتداخل فيه البعد الطائفى مع أزمة الهوية ، ومن عجز مؤكد فى تجديد الخطاب الدينى الذى يحتاج نجاحه إلى مناخ حريات واسع المدى، مع فشل السلطة الذريع فى العديد من الملفات سواء ما يتعلق منها بالأزمة المعيشية، وفشل معالجة أزمة المياه المرتقبة بعد سد النهضة الإثيوبى، وقضية تيران وصنافير التى عجزت السلطة عن إقناع جموع المصريين بسعوديتهما، نهاية بتنامى شعور عام بأن وعود السلطة فى الإصلاح  هو مجرد دخان فى الهواء.

السلطة فى مصر تتعامل مع مواطنيها وكأنها تمتلك الحقيقة المطلقة، والحق الحصرى الأبدى فى تحديد مصير البلاد والعباد، ولاترى اى سبب حتى الآن لكى تغير من هذه العقلية التى تحكمنا بها، بل ولا تعطى أية إشارات ولو حتى رمزية على إمكانية تعديل سلوكها السياسى فى المستقبل القريب ولا حتى البعيد،  وهو مبرر للكثير من الناقمين على هذه الأوضاع لكى يصبحوا ذئاب جديدة تنضم إلى طابور الإرهابيين !