«عشان الرئيس بيزعل»!

في مايو من العام ٢٠١٤ أعلن المرشح لانتخابات الرئاسة المشير عبدالفتاح السيسي عن نيته لاستصلاح أربعة ملايين فدان، في لقاءه مع الإعلاميين إبراهيم عيسى ولميس الحديدي، وقتها كتب كثير من المتخصصين عن استحالة تنفيذ هذا المشروع لعدم وجود مياه تكفي لاستصلاح كل هذه المساحة الكبيرة، وذهب أكثر المتفائلين إلى أن ما نملكه من المياه لا يمكننا من استصلاح ما لا يزيد عن نصف مليون.

وبرغم ثقة المشير وقتها فيما يمتلكه من دراسات للمشروع “انا بتكلم كلام علمي بالمناسبة، المياه موجودة والتربة الجاهزة للاستصلاح موجودة، أنا جبت الدكتور فاروق والعلماء الجيولوجيين وحددولي الكلام ده” رغم كل هذه الثقة التي استمرت حتى بدايات تولي المشير للرئاسة، فقد خفت الحديث تدريجيا عن مشروع الأربعة مليون فدان وأصبح الحديث عن مشروع استصلاح المليون ونصف فدان، والذي حذر من عدم جدواه،أيضا، أكثر من خبير، إلا أن الرجل الذي أصبح رئيسا أكد من جديد على امتلاكه للدراسات حينما ردد عليه الإعلامي أسامة كمال، يونيو من العام ٢٠١، أحاديث بعض الخبراء عن عدم وجود دراسات جدوى للمشروع.

وفي ٣٠ ديسمبر من العام ٢٠١٥ أطلق الرئيس إشارة البدأ في مشروع المليون ونصف فدان، دون أن يكلف نفسه حتى أن يوضح لمن انتخبوه ومن يحكمهم، لماذا أصبح المشروع مليون ونصف بدلا من أربعة؟ .

بعد ٢٥ يوما بالتمام والكمال قال الدكتور محمود عماره في لقاء مع الإعلامي إبراهيم عيسى أن الأمانة العامة لوزارة الدفاع استدعته على عجل من أمريكا لزيارة مشروع الفرافرة، ١٠ آلاف فدان، واستشارته في طريقة استكماله في ظل غياب لأي دراسة جدوى لهذا المشروع، وقال أن جهاز الخدمة الوطنية للقوات المسلحة تم استدعائه لإنقاذ الموقف بعد فشل وزارة الزراعة في زراعة العشرة آلاف فدان قبل ثلاثة أشهر من إطلاق الرئيس للمشروع.
لماذا هذه المقدمة الطويلة؟!

ما سبق هو بعض من سمات التخبط التي صاحبت واحدا من أهم “المشروعات القومية العملاقة” التي طرحها، ومازال، المشير الرئيس كمرتكزات للتنمية، والتي يطلب منَا هو وأنصاره أن نصمت وندعم ونؤيد في انتظار الحصاد الكبير الذي لا نعلم متى يأتي؟ أو كيف سيأتي؟

في لقاء سابق منذ ما يقارب العام مع خبير المياه الدولي ورئيس جامعة المنوفية السابق وأستاذ المياه بها الدكتور مغاوري شحاته دياب، رحل عن عالمنا منذ ثلاثة أشهر، وكان ضيفا علينا في برنامج صباح أون للحديث عن أزمة سد النهضة، بعد اللقاء سألته عن مشروع المليون ونصف فدان، وهو عضو المجلس الاستشاري لرئيس الجمهورية، قال لي أننا لن نستطيع استكماله وأن ما لدينا من المياه لا يكفي سوى لاستصلاح نصف مليون فدان، سألته لماذا لم تقل هذا الكلام للرئيس؟ قال الرجل، قلت أكثر من مرة ولكن من حوله حذروني من قول هذا الكلام في حضوره “ يا دكتور متقولش الكلام ده أدام الرئيس عشان بيزعل”. ربما ما كنت أروي مثل هذه الواقعة لو أن الدكتور مغاوري مازال على قيد الحياة.
استند لهذه الواقعة لأسأل: كم مشروعا من المشاريع الكبيرة التي كلفت خزينة الدولة عشرات المليارات من الجنيهات يتم التعامل معها بهذه الطريقة؟ وكم مازال أمامنا من الوقت لنتعلم أن بعث الأمل في قلوب المصريين عن طريق مشاريع وهمية تفتقد الدراسة هو بمثابة جريمة تحبط هذا الشعب وتفقده الثقة في قدرته وقدرة من يحكمه على الانطلاق لبناء دولته الحديثة؟