طقس المناطق الحارة

 

ومن يطيق الكتابة في هذا الطقس؟ الحرارة مرتفعة للغاية والرطوبة تسحب الأنفاس إلى خارج تجويف الصدر وتطرد الروح من الجسد. حتى قراءة هذه السطور منفرة وغير لائقة في مثل هذا الجو القاتل. الحديث عن غلاء الأسعار بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة بهذا الشكل الجنوني ونتائجه الظاهرة على وجوه المارّة في الشوارع ورواد المقاهي ليس مناسبًا الآن، وقد يؤدي إلى المزيد من النتائج السلبية غير المفيدة على الإطلاق، في هذه الأوقات تحديدًا يجب الميل نحو الخيال قليلًا، الخيال أو الفن أو الماضي… المهم هو الابتعاد عن الواقع والمستقبل لعدد محدود من الساعات حتى تذهب الموجة الحارة إلى حيث أتت.

لا أعلم تحديدًا سبب تذكّري لسيرة جارنا القديم السيّد “حليم شبيطة” أو “أبو هايدي” في هذا الوقت. كان يعتقد أن سيارته البيجو والتي يأكل منها العيش تعانده حينما يقسو عليها في العمل لأكثر من ثمان ساعات متواصلة، فكانت “تزرجن” معه في اليوم التالي لتضيع ساعتين أو أكثر في المحايلة والاستعطاف الذي كنّا نستيقظ عليه مبكرًا قبل المدرسة لنجتمع في دفع السيارة –وهو معنا- حتى تصل قرب ناصية الشارع من ناحية الطريق العمومي ليقفز بداخلها كفارس يمتطي جواده ثم “يرمي” أو ينقل الفتيس على الغيار الأول ويضغط على دواسة البنزين فتدور السيارة، وقد يكافئنا إن كانت الغزالة رايقة بتوصيلة مجانية إلى المدرسة.

أبو هايدي هو الشكل التقليدي للسائق الذي اعتدت عليه وأراه حتى الآن من حين إلى آخر ولكن، وبصرف النظر عن شاربه الكثيف والذي يغطي شفّته العليا بأكملها، هو رجل غاية في الرقة وغارق حتى شوشته في الخرافات والاعتقادات العجيبة. “لا تدع عقارب الساعة تغادر الثامنة صباحًا وأنت تداعب ملائة سريرك” بصيغة قريبة من تلك كان يتحدث إلى جاره “وائل غاندي” الشاب الذي لم يتجاوز عامه التاسع والعشرين حينما يفتح شبّاك شقّتهم في الدور الأرضي من العمارة المجاورة بعد صلاة العصر، بينما يقوم أبو هايدي بتدليع محبوبته البيجو ورشّها بالماء بعد جولة العمل الصباحية. كان ” وائل عبد العزيز” أو غاندي يعمل حتى السادسة صباحًا في فندق الفاندوم ذي الملهى الليلي وصالة البلياردو، والذي يقع على ناصية شارع الخليفة المطلّة على شارع الهرم، لا أحد يعلم حتى الآن طبيعة عمله في هذا المكان، ولكن أبو هايدي كان مصممًا أن الشاب يعمل –والعياذ بالله- كابتن:

-ماذا تعني كابتن يا اسطى حليم؟

-اسأل والدك يا واد

لماذا إذن كان يردد سيرة الشاب على مسمعنا إن كان غير عابئًا بإدراكنا لأبعاد اعتراضاته على الفتى؟

أبو هايدي هو الذي أطلق عليه لقب “غاندي” منذ طفولته، وحين سألناه عن مغزى التسمية أجابنا:

-لم يكن يحلو له السير في الشارع إلا متجردًا من الملابس لنركض خلفه أنا وأباه وأمه باللباس ليرتديه.

ووائل غاندي لم يكن كثير الكلام، بالعكس، كان ملتزمًا للصمت منذ استيقاظه وحتى الإفطار واحتساء كوب الشاي والسيجارة السوبر في شرفته الأرضية. الشاب تكفّل بمصاريف بيته بعد وفاة أبيه فأدخل شقيقته الجامعة والأخرى تزوّجت بعد إتمام دبلوم التجارة وهو يتلقّى النصائح والحِكَم الأخلاقية بصمت تام وكأن الكلمات لا تصل إلى مسمعه من الأساس، ويضطر أحيانًا إلى هز رأسه في حركة ميكانيكية لا تعني أي شيء. تخلّى غاندي عن عادته الطفولية في تعرية نصفه السفلي فأصبح يخرج علينا من الشرفة بالجينز وجزعه العاري، فكان أبو هايدي يلقي بخرطوم الماء في الأرض ويغلق شرفة شقته، والتي تقع أمام شرفة غاندي، ثم يبدأ في إسداء النصائح وإلقائها على مسمع الشاب كنوع من التعنيف. فقد كان الرجل يغار على هايدي ابنته، ويظن أن الشاب يستهدفها بطلّته اليومية.

في ظنّي، لم يكن وائل يستهدف أحد بل ولم يكن ينتبه لأحد أو لشيء ما، فحينما كان عمره 29 عامًا، كنت في الصف الأول الثانوي. واليوم أصبحت في نفس عمره، أجلس عاري الجزع في هذا الطقس الحار لا أفكّر سوى في مصير وائل وزوجته هايدي بعد أن فقد عمله في صالة البلياردو، بعدما تخلّى طوعًا عن عمله ككابتن تنفيذًا لشرط الأسطى حليم، حماه، والذي تلاه إغلاق صالة البلياردو بالفندق. تذكّرت كل ذلك بعدما مررت بشارعنا القديم لأرى وائل خارجًا من شرفته بجزعه العاري وسوالفه البيضاء وشاربه المتناسق مناديًا ولده “حليم” الذي يركض بطول الشارع متجردًا من ملابسه وسط ضحكات “أم هايدي” من الشرفة المواجهة لتختتم وصلة الضحك قائلة “الله يرحم جدّك”، فنظرت ولم أجد البيجو في مكانها.