سلاحنا السرى لتحرير الأقصى

أسدلت أحداث العنف التى يشهدها محيط المسجد الأقصى الستار على آخر بقايا النظام الإقليمى العربى الذى كان يرى أن القضية الفلسطينية هى قضية العرب المركزية، وأن ميثاق الجامعة العربية يوفر الحد الأدنى من الاتفاق بين دوله على اختلاف توجهاتها الإيديولوجية، وشهد أيضا عدة مشاريع فاشلة للوحدة بين عدد من أقطاره، وكان فى أفضل حالاته خلال حرب اكتوبر 1973، ثم تعرض لضربات تحت الحزام سواء بزيارة السادات للقدس وتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد، أو غزو صدام حسين للكويت، ثم حصار أمريكا لنظامه وإسقاطه وسط صمت وتواطؤ عربى مريب، حتى فشل ثورات الربيع العربى فى بناء نظام عربى جديد يستند إلى قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الانسان

مع تراجع التوجهات الثورية التى شهدتها الشوارع والميادين العربية خلال السنوات الماضية، وهيمنة خطاب الثورة المضادة على المشهد السياسي العربي، وتحالفه مع قوى الاعتدال العربية وبالتحديد مع أشد تياراتها رجعية، لم يعد إقدام الاحتلال الإسرائيلى على إغلاق المسجد الأقصى، يشعل المظاهرات المطالبة بتحريره فى الشوارع العربية، ولم تعد أنظمة الحكم العربية تعبر عن غضبها من إسرائيل كما كانت تفعل من قبل، حتى لو سقط شهداء فلسطينين وأصيب المئات منهم برصاص الاحتلال، فنحن نعيش الآن مرحلة “اللانظام” الإقليمى العربي، حيث لا ثوابت وطنية تجمع العرب فى مواجهة الخطر الإسرائيلى المشترك، لأنه ببساطة لم يعد أمام هذا “اللا نظام” خطر من إسرائيل، بل هناك مشاورات لم تعد سرية بين دول عربية وإسرائيل برعاية أمريكية لمواجهة “الخطر الإيراني”، وهناك أفكار تنتظر التطبيق لبناء تحالف سنى يضم إسرائيل لمواجهة المد الشيعى !

لم تعد 99% من أوراق اللعبة فى يد أمريكا كما قال الرئيس انور السادات فى يوم ما، الآن أصبحت 100% من أوراق اللعبة فى يد امريكا وإسرائيل، لم يعد هناك هامش للمناورة أمام أنظمة الحكم العربية كما كان الحال من قبل، كل ما استطاعت عمله فى مواجهة الجرائم الإسرائيلية العنصرية ضد الشعب الفلسطينى الأعزل، هو إصدار بيانات شجب خجولة، بدون أى قدرة حتى على التلويح بسحب السفيرين المصرى والأردنى من تل ابيب، ولا وقف مشاورات الأبواب الخلفية بين الدول الخليجية وإسرائيل لتطبيع العلاقات الدبلوماسية بينها، ولا حتى مجرد مطالبة واشنطن بردع إسرائيل عن ارتكاب المزيد من الجرائم!

أنظمة الحكم العربية ابتلعت ألسنتها حتى لا ترد على الرواية التى تروجها الآلة الإعلامية الإسرائيلية لأحداث العنف التى تشهدها مدينة القدس المحتلة، بأن السبب وراء اندلاعها يرجع إلى وجود “جذور إرهابية ” فى بنية العقل العربى – الإسلامى، هى التى تجعل الشعب الفلسطينى يميل إلى العنف والتطرف، ودون أن ترد ايضا على حفاوة هذه الوسائل الإعلامية الإسرائيلية بالجهود التى تبذلها أطراف إقليمية ودولية لاتخاذ خطوات جادة لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، وتوسيع نطاق التبادل التجارى بينهما، وكان السعودية لم تعد – أو لم تكن- دولة إسلامية، وأن العقلية السعودية خالية من هذه “الجذورالإرهابية “، ودون أن نسمع من هذه الأنظمة اى إدانة لإرهاب الدولة التى تمارسه إسرائيل ضد الأشقاء الفلسطينيين !

ما بين الحرب على الفلسطينيين والسلام مع السعودية، يبدو النفاق الإسرائيلى فى أبشع صوره وأحط أشكاله، وكأنه يسقط آخر ورقة توت تستر عورات النظم العربى بأوضاعها الكارثية الراهنة، فحكومة نتنياهو التى تعرض على السعودية الانضمام إلى “الحلف السنى” لمواجهة أوهام الخطر الإيراني، هى نفس الحكومة التى ترفض مبادرة السلام العربية التى أعلنها العاهل السعودى الراحل الملك عبد الله، وهى التى تواصل تهويد القدس وبناء المستوطنات غير الشرعية لعزلها عن بقية أراضى الضفة الغربية، كما تستمر فى حصار غزة، ووتتعنت فى قبول حل الدولتين، رغم أنه لا يحقق الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية المشروعة !

الأنظمة العربية التى أسقطت كل ثوابت النظام الإقليمى القديم، لم تنجح حتى الآن فى تقديم أى قواعد فكرية أو سياسية صلبة تؤسس لبناء نظام إقليمى عربى جديد، فهم لم تستطع تقديم أى براهين لشعوبها بأن إيران وليست إسرائيل هى الخطر الذى يواجهها، أو أن الضغط على حماس وليس على إسرائيل هو أقرب طريق لتحقيق “السلام العادل” فى الشرق الأوسط، كل ما قدمته هذه الأنظمة فى سعيها لبناء هذا النظام الجديد هو مزيد من الإنهاك الإقتصادى لشعوبها، والاستمرار فى نهجها غير الديمقراطى فى الحكم، مع وعود غائمة بإصلاحات مستقبلية تبدو وكأنها قصور من الرمال ستنهار إن آجلا أو عاجلا !

الإصلاحات الديمقراطية هى وحدها التى تؤسس لإقامة نظم حكم عربية قوية تحقق المصالح المشتركة الحقيقية لشعوبها، وهى أيضا سلاحنا السرى ليس فقط لاستعادة الأقصى، بل واسترداد الشعب الفلسطينى كل حقوقه المشروعة على كامل أرضه المغتصبة.