سر «الألبومين القاتل» داخل مستشفى بالإسكندرية

شعر الموظف المتقاعد في بنك الإسكندرية، نصر الدين أبو الوفا، الذي يدخل منتصف عقده السادس، بالتهابات شديدة في الكُلى واضطرابات متكررة في درجة الوعي ومشكلات مُزمنة داخل المعدة (استسقاء البطن)، مع ضعف وهزال شديد، فأسرع به ذووه إلى مستشفى “لوران” التخصصي بمنطقة الرمل، وتم احتجازه بها حتى تستقر حالته الصحية.

عقب ساعات من تشخيص الأطباء لحالته الصحية وإجراء الأشعة والتحاليل والفحوصات الطبية اللازمة والعرض على استشاري الأوعية الدموية وأخصائي التخدير واستشاري أمراض الدم والكُلى والأوعية الدموية، توصلوا إلى أن المريض يعاني من نقص شديد في الألبومين هيومن (Albumin Human) في الجسم، والذي يُعد أحد بروتينات بلازما الدم الرئيسية ويشكل ما نسبته 60% من مجموع بروتينات البلازما، ما تسبب في إصابته بجلطة في قدمه اليسرى، أدت إلى تورم قدميه وامتلائها بالمياه بصورة كبيرة.

بعد مرور 3 أيام من احتجازه داخل المستشفى وتناول عقار “الألبومين هيومن” الذي يتم صرفه 3 مرات يوميا من صيدلية جانبية مملوكة للمستشفى بـ545 جنيها للعبوة، بدأ نصر الدين يدخل في شبه غيبوبة بعدما تسببت له الحقن الجديدة في حدوث “رعشة” شديدة بجسده و”وشه قلب ألوان” وانخفضت درجات حرارته بصورة مفزعة حتى صارت 7 درجات فقط، و”جسمه تلِج” بحسب نجله محمد، الذي ينتابه الخوف والقلق على والده المريض.

الاستشاريون الستة المتابعون للحالة قرروا وضعها على محفزات الضغط وتركيب فلتر بالوريد الأجوف السفلي ووضع المريض على جهاز تنفس صناعي داخل غرفة العناية المركزة وإعطائه كرات الدم والصفائح الدموية اللازمة والعلاج المصاحب لها.

وقال محمد نصر الدين، نجل المريض، إن والده كان من المفترض أن يُجري عملية “جلطة” في قدمه في نفس اليوم الذي ظهرت فيه الأعراض السابقة، وتم إعطاؤه الأدوية والحقن اللازمة، وبعد ساعات من استقرار حالته أجروا له العملية، ومن هنا بدأت رحلة المعاناة الجديدة داخل غرفة العناية المركزة، التي بدأت بعد منتصف ليل إجراء العملية واستمرت لأكثر من 18 يومًا؛ تعرض خلالها والده وحالتان أخريان بالغرفة إلى نزيف داخلي دون أسباب معلومة حتى الآن.

الأعراض الجانبية

بدأت تظهر على المريض حساسية أعراض عقار “الألبومين” الذي كان يصرفه من الصيدلية المتعاقدة مع المستشفى، ودخل في مضاعفات أخرى جسيمة لم يكن يتوقعها أي من المرافقين له، حيث تسببت في حدوث التهابات أخرى عديدة بأماكن متفرقة من جسده الذي أنهكه المرض، رغم تكاليف العلاج الباهظة التي تجاوزت 120 ألف جنيه حتى الآن.

وأكد نجله لـ”البديل” أن المضاعفات التي تسبب فيها عقار “الألبومين هيومن” أدت إلى تنشيط خلايا الكبد التي كانت مصابة بفيروس سي، رغم تماثله للشفاء منها قبل 3 أشهر، فضلًا عن وجود مشكلات كبيرة في القلب والكُلى تستلزم خضوعه لجلسات الغسيل الكلوي جراء ذلك.

وتم احتجاز نصر الدين في غرفة العناية المركزة التابعة لمستشفى لوران منذ ما يقرب من 20 يومًا دون أي تحسن في حالته الصحية حتى الآن، بحسب نجله، بل تردت حالته أكثر وبعد دخوله المستشفى باضطرابات في درجة الوعي وهبوط شديد بضغط الدم وجلطة بأوردة الساق اليُسرى واستسقاء في البطن خرج بـ8 أمراض مزمنة في شبه غيبوبة على جهاز تنفس صناعي.

بحسب التقرير الطبي الصادر عن إدارة السجلات الطبية داخل “لوران” بتاريخ 11 يوليو الجاري، فإن المريض نصر الدين أبو الوفا، يعاني من المتلازمة الكلوية والفشل الكلوي وصدمة تسممية حادة والتهاب كبدي فيروسي “C” بالدم ونزيف شرجي واشتباه بالتهاب في الأوعية الدموية ونقص في نسبة الصفائح الدموية وجلطات متعددة بأوردة الساق اليُسرى.

بدأ الشك يساور أبناء الموظف الستيني المتقاعد بسبب العلاج المزعوم، فتقدم أحدهم بشكوى عاجلة إلى الدكتور مجدي حجازي، وكيل وزارة الصحة بالإسكندرية، الذي أمر بتشكيل لجنة متخصصة من الإدارة المركزية لشؤون الصيدلة للمرور على الصيدلية محل الاتهام وفحص الترخيص الصادر لها والتأكد من صلاحية الأدوية بها والاشتراطات البيئية الخاصة بالحفظ والتخزين.

دون ترخيص

المفاجأة التي وردت في تقرير التفتيش الصيدلي وبيان مديرية أمن الإسكندرية في مجال الغش التجاري بشأن البلاغات العديدة المقدمة ضد إدارة مستشفى لوران، بأن الصيدلية غير مرخصة، ومن ثم فإن الاتهام الأول يتمثل في إدارة صيدلية دون ترخيص، بعد حملة شنتها مديرية الأمن بالاشتراك مع إدارة تفتيش الصيادلة ومديرية الشؤون الصحية بالإسكندرية.

وتبين أن المسؤول عنها يتاجر في الأدوية مجهولة المصدر وغير المسجلة بوزارة الصحة دون مراعاة اشتراطات التخزين الصحيحة الواجب توافرها، ما يتسبب في مضاعفات جسيمة لمتناوليها بالمخالفة للقرارات المنظمة في هذا المجال.

المفاجأة الثانية التي وردت ضمن بيان مديرية أمن الإسكندرية، أنه تم ضبط ألف و204 عبوات أدوية حيوية مختلفة ما بين مضادات حيوية ومراهم وكريمات ومستحضرات تجميل وأدوية للشرب وأمبولات للحقن ومضادات للرشح والزكام ومسكنات للآلام وكريمات للالتهابات وأقراص فيتامينات وأقراص دوائية متنوعة تبين -بفحصها عبر التفتيش الصيدلي- أنها مجهولة المصدر وتم تهريبها من خارج البلاد دون أي فواتير أو مستندات رسمية تفيد مصدرها، فضلًا عن مخالفتها اشتراطات الحفظ والتخزين.

تم التحفظ على المضبوطات من قبل إدارة العلاج الحر التابعة لوزارة الصحة وتشميع الصيدلية بالشمع الأحمر، وتحرر بذلك محاضر وبلاغات بأرقام 2ح تموين شرق وحدة التموين،61ح الرمل بتاريخ 9/ 7/ 2017 والبلاغ رقم 13115 في قسم شرطة أول الرمل، وجار العرض على النيابة.

التجارة الحرام

لم تكن الواقعة السابقة، الأولى في سوق التجارة غير المشروعة والفوضى الضاربة بجذورها داخل الصيدليات المتعاقدة مع المستشفيات الكبرى الخاصة التي تعمل دون أي رقابة عليها وصارت مصدرًا للأدوية المجهولة وسوقًا رائجة للأصناف الدوائية التي يتم تهريبها من خارج البلاد وغير المسجلة بوزارة الصحة، بل هناك بلاغات وشكاوى عديدة تم تقديمها في مناطق عديدة من الجمهورية بحسب محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، مثل المنصورة والجيزة والهرم وغيرها، نتيجة بيعهم عبوات “ألبومين هيومن” مغشوشة تحمل مادة السافلون المطهرة، مضيفين إليها الماء أو الحلبة الحصى، نظرًا للونها القريب بالألبومين.

وأكد فؤاد لـ”البديل” أن هناك مريضًا فارق الحياة في منطقة إمبابة بسبب هذا المنتج الدوائي المغشوش، وتحرر محضر آخر ضد أحد مخازن الهرم في مايو الماضي برقم 1874 في نيابة إمبابة.

تشريعات غائبة

وأوصى الدكتور صابر غنيم، رئيس الإدارة المركزية السابق للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص بوزارة الصحة، بمنع بيع العقار بالصيدليات، وقصره على المستشفيات فقط، وفرض عقوبات رادعة على الصيدلي الذي يخالف ذلك عبر إغلاق الصيدلية لمدة 6 أشهر وتوقيع غرامة مالية كبيرة عليه تبدأ من 100 ألف جنيه وتتجاوز 500 ألف جنيه كحد أقصى، لإنهاء سوق الأدوية المغشوشة.

وطالب غنيم مرضى الكبد الوبائي والكُلى والقلب بعدم شراء هذا العقار المغشوش نهائيا من أي صيدلية بالمستشفيات الخاصة، والالتزام بشرائه من الوكلاء المعتمدين أو عن طريق التأمين الصحي أو نفقة الدولة.

400 مركز مخالف

ومن جانبه، أكد الدكتور طارق شلبي، مدير إدارة العلاج الحر بالإسكندرية لـ”البديل”، إصدار أكثر من 400 قرار إغلاق سنويا للمراكز والصيدليات غير المرخصة في المحافظة، وطالب شلبي بوضع تشريع صارم يجرم الاتجار في الأدوية مجهولة المصدر من قبل الصيادلة عبر المستشفيات الخاصة، وأبرزها عقار علاج الكبد “الألبومين” المغشوش الذي تم ضبطه في مراكز طبية عديدة بالإسكندرية، آخرها داخل صيدلية مستشفى لوران، وكثرة تناوله تتسبب في أعراض جسيمة تصل إلى الوفاة.

الإدارة تنفي

في المقابل، نفت إدارة مستشفى لوران وجود الصيدلية محل التحقيق داخل مبنى المستشفى أو تبعيتها لهم، حيث إنها توجد في مبنى آخر جانبي وتتبع شركة أدوية كبرى غير حكومية (محتفظين باسمها) تستأجر المكان من مالكي المستشفى على أن تقوم بتوريد الأدوية اللازمة إليهم.

وأوضح مصدر مسؤول داخل المستشفى، طلب عدم ذكر اسمه، أن محضر الضبط الذي خرج من مديرية أمن الإسكندرية لم يُذكر به وجود أي أدوية غير صالحة للاستخدام الآدمي أو مغشوشة ومجهولة المصدر، لكن القصة كانت على أوراق وتراخيص واشتراطات بيئية خاصة بالحفظ والتخزين.

وفيما يخص الشكاوى المقدمة ضد إدارة المستشفى بشأن انتقال عدوى للمرضى داخل غرفة العناية المركزة من بينهم أحد الممرضين بالمستشفى، أوضحت الإدارة في رد رسمي أن هذا الكلام عار من الصحة ولم يرد إليهم أي شكاوى بسبب الأدوية المغشوشة، لكنها كانت صادرة عن شخص والده محجوز داخل غرفة العناية المركزة منذ يوم 20 يونيو الماضي وشركته متعاقدة مع المستشفى، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضده وكل من يسيئون إلى المكان من قبل المستشار القانوني للمستشفى.