رمي الحبل إلى الغريق لا ينجيه

غريق في البحر يستغيث بأهل البر أن أنقذوني، تباطأوا وأعرضوا عنه حيناً من الوقت حتى كادت رأسه تختفي تحت الماء، ويستقر جسده في قاع البحر، ولم يعد ظاهراً منه غير يديه المرفوعتين على شكل استغاثة ملهوف يستنهض بها للمرة الأخيرة همم الواقفين على الشاطئ: أنقذوني.!

ولما أيقن أنه شارف على الموت تقدموا إليه يرتدون ثياب المنقذ، ورموا إليه حبل الإنقاذ، ثم وقفوا ينتظرون من دون أي حركة أن يمسك ذلك المشرف على الغرق بالحبل لينقذ نفسه بنفسه من مصيره المحتوم.

ما قولكم في مثل هؤلاء الناس.
ما حكمكم على مثل هذا الموقف؟

هذا ما فعلته وتفعله حكومة السيسي تحت رعايته وموافقته وبتحريض وتشجيع منه وإيمان عميق يملأ قلوبهم بأنهم فعلوا كل ما في أيديهم، وأنهم اتخذوا القرار الذي امتنع عن اتخاذه السابقون لمدة طويلة من الوقت جعلت قضية إنقاذ الغريق أكثر تعقيداً وأشد تكلفة على هؤلاء الذين شارفوا على الغرق.

حبل السيسي وعامر الذي قدماه إلى اقتصادنا الغريق الذي بدأ بما سمي توحيد سعر الصرف وهو القرار الذي ترتب عليه تعويم الجنيه، اسم الدلع لغرقه، وكانوا قد استبقوا القرار بزيادات في أسعار الكهرباء والوقود ورسوم الجمارك وفرض ضريبة القيمة المضافة.

ثم وقفوا عاجزين ساكنين ينتظرون أن يمد الغريق يديه المتعبتين ليمسك بالحبل بنفسه ويصعد من تحت الماء ويمشي فوقها ليخرج إلى بر الأمان.!

وكما كان متوقعاً حدث العكس، كاد الغريق يلفظ أنفاسه الأخيرة، فعادوا ليرموا إليه بنفس الحبل مع المزيد من قرارات رفع الأسعار التي طالت وسوف تطول الوقود والكهرباء والمياه والجمارك وكل ما يتعلق بأساسيات الحياة.

كثيرون من الاقتصاديين خاصة أنصار اقتصاد السوق الحر أو المفتوحة يؤكدون أن هذه القرارات/ الحبل كانت ضرورية، ويرون أنها تأخرت، وأن المسئولين السابقين تلكأوا من قبل في أن يقذفوا بحبل النجاة إلى غريق كاد أن يختفي في جوف المياه.

ورغم أني وكثيرون آخرون من أنصار الاقتصاد المخطط لا يرون في هذه الإجراءات سوى رضوخاً لروشتة صندوق النقد الدولي التي صُرفت لبلدان كثيرة قبلنا، وخربت دولاً كثيرة، وفشلت في أن تنتشل اقتصاداتها من التعثر، وأغرقت بلاداً في فوضى الاحتجاجات والثورات الشعبية التي ترفض أن تتحمل الطبقات الأكثر فقراً فاتورة ما يسمى بالإصلاح رغم عدم مسئوليتهم عن فساد الأحوال التي استفادت منها النخب الحاكمة صاحبة القرارات الاقتصادية والسياسية التي أوصلت البلاد إلى كل هذا الخراب.

رغم ذلك فإني أوافق أصحاب نظرية السوق المفتوحة في أن الاكتفاء برمي الحبل إلى الغريق لا يكفي لانتشاله من الغرق.

كان لابد أن تكون حزمة الإصلاحات المطلوبة والإجراءات المتخذة في إطار سياسة اقتصادية تضع برامج وخطط تستهدف زيادة الاستثمار والتشغيل واستعادة عافية السياحة وتشجيع التصدير، والأهم من ذلك كله وضع سياسات وخطط وبرامج لحماية الطبقات الأكثر فقراً وتخفيف عبء زيادة أسعار السلع الأساسية والخدمات الضرورية، في الوقت الذي يتم فيه وضع الإجراءات الكفيلة بألا تنزلق شرائح كبيرة من الطبقة الوسطى إلى مواقع ومواضع أكثر فقراً وأشد احتياجاً.

الغريب أن هؤلاء الذين رموا بالحبل إلى الغريق وتركوه بدون انقاذ حقيقي يتصورون أن صبر الشعب هو من نوع السكوت الذي هو علامة الرضا، وما يزال الرئيس السيسي ورئيس وزرائه وعدد من الوزراء يرددون ليل نهار في كل مناسبة يخرجون فيها إلى الاعلام بأن الشعب المصري يرحب بهذه القرارات، ولا يرفض هذه الإجراءات، وأنه نجح في التحدي، وأثبت أنه شعب عظيم وواعٍ وعلى قدر المسئولية.

وتلك إشادة يستحقها الشعب المصري وزيادة، ولكن ليس على سكوته، وقد بدأ يخرج عن صمته، ولا على تحمله وقد بدأ يفقد القدرة على المزيد من التحمل، والاشادة التي يستحقها هذا الشعب بامتياز هي على صبره.

وما يجب أن يدركه الحاكم وحكومته واقتصاديوه أن للصبر حدود، وأن صبر الشعب له آخر، وأن الغضب مكتوم ويتصاعد في النفوس يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، ويزيد فيه ويؤججه أن سوء إدارة الملف الاقتصادي هو جزء من سوء إدارة عام يشمل كل الملفات، وبعضها يتعلق بأمنه المائي في قضية نهر النيل وسد النهضة، وبعضها يتعلق بأمنه الوطني في قضية مثل التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وقد مثلت جرحاً غائراً في النفوس لن تمحوه الأيام ولن تُسكت آلامه السنون.

لا أحد يستطيع أن يحدد ميقات انفجار الغضب، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر سحائبه التي تتجمع في سماء مصر، وأن ساعة هطولها لن يطول انتظارها، وساعتها لن تستطيع قوة مهما تجبرت وتمترست بالطوارئ وغيرها أن توقف شلالات الغضب وبراكينه من أن تنفجر في وجه الجميع.
تكميم الأفواه يصلح لبعض الوقت ولكنه لن يطول، والتضييق على الاعلام والعصف بالحريات العامة والقبض على كل صوت معارض لا يمكن أن يستمر طويلاً.

أن تصادر كل رأي حر ثم تجلس بين مناصريك تتباهى بسكوت الناس ورضاهم عما تفعل فيهم وما تتخذه من إجراءات تزيدهم فقراً فوق فقر وتضرب كرامتهم الإنسانية في مقتل، هي مسألة وقت سرعان ما ينتهي.

رمي الحبل إلى الغريق لا يكفي، لا يكفي غير العمل بجدية من أجل انتشاله من الغرق.