رئيس مجمع اللغة لـ«البديل»: الأنظمة التعليمية الأجنبية تغولت في الجسد العربي (الجزء الأول)

حوار: مصطفى عبدالفتاح – محمد أحمد القشلان

 

الأجيال الحالية فقدت اعتزازها باللغة العربية.. واختفاء الكُتّاب سبب الأزمة

لا توجد استراتيجية قومية لنشر اللغة العربية في آسيا وإفريقيا

ملخصات كتب التراث حيلولة ولا تحمل روح الأصل

واحد من علماء الأزهر الشريف الذين حملوا على عاتقهم أمانة الحفاظ على اللغة العربية بكل ما تحتويه من تراث نتج عبر سنوات عديدة، إنه الدكتور حسن الشافعي، رئيس مجمع اللغة العربية، الذي يرى أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لعب دورا مهما في حماية اللغة العربية بالمدارس الأجنبية في مصر، ويؤكد أن أسلوب تلخيص كتب التراث فاشل ويفصل بين المبدع وبين النهل من تراثه، وإلى نص الحوار..

ما الذي يقدمه مجمع اللغة العربية لنشرها في مختلف البلاد؟ 

الأولى بنا حاليا أن نعلم اللغة العربية الصحيحة لأبنائها، وبعدها نتجه لتعليمها إلى غير الناطقين بها، أنا أذكر عندما حدث العدوان الثلاثي على مصر، أمم عبد الناصر المدارس الأجنبية، فكان المطلب الوحيد للفرنسيين ترك المدارس الفرنسية حرصا منهم على الحفاظ على نشر ثقافتهم ولغتهم، فقبل بما يقولون، لكنه اشترط عليهم أن تكون اللغة العربية، الأولى قبل الفرنسية، وهذا موقف يحسب للرئيس جمال عبدالناصر في سبيل الحفاظ على هويتنا ولغتنا العربية.

ما الصعوبات التي تواجهنا في سبيل إحياء اللغة العربية من جديد؟

في الواقع، اللغة العربية تطورت بشكل كبير، فمن يراجع العدد الأول من مجلة الهلال في أواخر القرن التاسع عشر ويقرأ العدد الأخير سيلاحظ التطور الذي أحرزته اللغة العربية مرونة وجمالا واتساعا، وحقيقة، العيب ليس في اللغة نفسها، لكن في مدى التزام أبنائها بها واعتزازهم بها، فكل أبناء اللغات المختلفة يعتزون بها إلا أبناء العربية، فأحد رؤساء فرنسا في أحد المرات لاحظ أن أحد وزرائه نطق بكلمة غير فرنسية أثناء اجتماعهم سويا فحاسبه حسابا شديدا على ذلك، والأجيال الحالية للأسف، فقدت اعتزازها باللغة العربية لاعتماد معظم الأهالي على مدارس لا تهتم باللغة العربية على عكس جيلنا الذي تعلم أصول العربية في الكُتّاب، الذي لم يكن يحفظ القرآن فقط، إنما كان يربي أعضاء النطق لدى الطفل، فاختفاء الكُتّاب وظهور المربيات الأجنبية ضعف صلة الجيل الحالي بالعربية، بالإضافة إلى ضعف الأنظمة التعليمية.

ما رأيك في الأنظمة التعليمية الموجودة حاليا في الدول العربية؟

الأنظمة التعليمية في مصر تغولت، وأصبح لكل دولة نظام تربوي وتعليمي خاص بها، فلم يعد الأمر يقتصر على دول الاحتلال السابقة، إنما أصبحت دول كاليابان وغيرها لها أنظمة تعليمية داخل الدول العربية، تبث من خلالها أفكارها وثقافتها، فلنا أن نتخيل أن من يدخل هذه المدارس يضعف صلته باللغة العربية وثقافتنا وهذا الجيل هو من سيحكمنا في المستقبل، لأنهم الطبقات العليا من المجتمع ولأنهم يتلقون تعليما يظن أنه يحظى باحترام من الجميع فتلك مصيبة أخرى، فالواقع أن التعليم الأجنبي ينتشر بطريقة سريعة.

برأيك كيف استطاعت اللغة العربية أن تنشر نفسها بين الدول المختلفة؟

اللغة العربية تنشر نفسها بنفسها، فأنا عشت 15 عاما في باكستان والناس هناك كانوا حريصين بشكل كبير على تعلم اللغة العربية، فهم يعتزون بكل ما هو عربي ومصري خصوصا الأزهر الشريف وعلمائه وفرسانه الذين يرسلون هناك لنشر صحيح الدين، لكن للأسف الشديد لا توجد استراتيجية قومية عربية تساهم في نشر اللغة العربية خارج الحدود في آسيا وإفريقيا في الوقت الحالي.

غالبية خريجي كليات اللغة العربية وأقسامها غير مؤهلين لتعليم ونشر اللغة.. ما السبب؟

يظن عدد من الناس أن كل عربي يتكلم العربية قادر على نشرها بالخارج، لكن هذا غير صحيح، فبعض العامة يعرفون اللغة العربية أفضل من المتعلم العادي، وبعض متعلمي العربية لا يتحدثون بالفصحى وهذه أزمة كبيرة يواجهها الطلاب الأجانب عندما يأتون إلى القاهرة، وبالنظر إلى طبيعة النظام التعليمي الذي يقدم إلى الطلبة دارسي اللغة العربية والذي يعتمد على نظام الجودة فهو غير مجدي ولا يناسب تعليم اللغة، إنما هو ضعف وتراجع، فالبرامج القديمة في التعليم وإن كان بها بعض العيوب فهي أفضل من البرامج الحديثة، فأزمات اللغة ليست مشكلة مجمع، لكن مشكلة مجتمعات، ويجب أن نشعر أننا كأمة وشعب أن هويتنا مهددة وأن لغتنا العربية هي الصلة الوحيدة التي لازالت تربط الشعوب العربية ببعضها بعضا بعدنا ضعفت الأواصر الأخرى.

ما تعليقك على الشعر المعاصر الذي يقحم فيه كاتبوه الفلسفة فتكون النتيجة شعرا يعزف عنه الجمهور؟

في الحقيقة، الشعر تعبير وجداني، يتميز بسمات معروفة أهمها الموسيقى والنظام، وأذكر أن العقاد سئل ذات مرة عن الجمال، فوصفه بالحرية، فالفنان يستوعب القواعد ثم يعلو عليها ويسمو ويقدم إبداعه الخاص، والواقع أن التيار الأدبي والشعري ظهرت فيه تيارات مختلفة عن بعضها بعضا لكل منها سمات مختلفة ومنها القصيدة النثرية حتى تاهت الفروق بين النثر والشعر.

في رأيك.. من الشاعر الذي استطاع أن يصل بإبداعه إلى الجمهور بطريقة اختلفت عن قرنائه؟

أحمد مطر شاعر كبير وحر ولم يقل بيتا واحد في مدح إنسان أو سلطان، لكنه دائما ما يتحدث عن الحرية والإبداع ورغم أنه ليس مجمعيا لكنه كمثقف وأديب بين طريقة لتقديم النص الشعري نظامها قائم على وجود القصيدة في الوسط وفي الأعلى الكلمات الغربية وعلى اليمين المدلول الفني فهو نجح عن غيره في إنشاء أسلوب أدبي خاص به يساعد أي شخص على تذوق ما يقدمه للجمهور.

ما رأيك في بعض الملخصات التي ظهرت لعدد من كتب التراث مثل “البيان والتبين” و”إحياء علوم الدين” وغيرها؟

في رأيي حيلولة بين المثقف المعاصر والتراث، فيجب أن نغري المثقف العربي باقتحام التراث نفسه وتذوقه، فمهما كان هذا الوسيط فلن يحمل روح الأصل، ويجب أن يجد المثقف العربي طريقه ممهدا لكتب التراث حتى يستحدث صلة مباشرة بينها وبين ما يكتبه حاليا، فالدكتور شوقي ضيف مثلا أحد المفكرين الكبار الذين استقصوا تاريخ الأدب العربي في جميع العصور وفي جميع المواطن وهو جهد مبذول لم يسبقه أحد إليه من قبل، فالتراث هو الكنز الذي تحتويه لغتنا وأية لغة وعاء للثقافة والتراث والعربية في هذا من أغنى اللغات لكن أسلوب التلخيصات لا ترتضيه وهو غير ناجح.

 

كيف نوفق ما في كتب التراث مع متطلبات العصر الحديث؟   

كتب التراث إرث أدبي كبير يمكن توظيفه مع كل عصر والاستفادة منه ومن خبرة من سبقنا، فأنت إن قرأت مثلا لأبي حيان التوحيدي ستجد في كتاباته مزجا بين الفلسفة وعلم الكلام والأدب في أسلوب أدبي رائع العبرة هي كفاءة المبدع، فعميد الأدب العربي طه حسين كان قادرا على حفظ قصائد التراث التي تخطت بعضها المائتي بيت، كان يحفظها بلا خطأ في أي بيت منها، وكان دائما ما يشكو من قلة قراءة أدبائنا وشعرائنا في كتب التراث، فلو أنهم اطلعوا على هذا التراث لاستفادوا منه كثيرا ووظفوه في خدمة أهدافهم.