خيانة الملك الكامل.. وتسليم بيت المقدس للصليبيين

 

 

في أواخر عام 1226م اشتد الخلاف بين الملك الكامل وبين وإخوته المعظم عيسى والظاهر غازي وانضم إليهما مظفر الدين مناوأة لأخيه الأشرف موسى حليف الكامل، وكان الملك العادل قد قسّم الدولة الأيوبية بين أبنائه فكان للكامل ملك مصر وللمعظم عيسى حكم دمشق وللأشرف موسى إقليم الجزيرة الواقع بين دجلة والفرات. 

وكان الإخوة قد تحالفوا لفترة وجيزة استطاعوا خلالها دحر الحملة الصليبية الخامسة، ومع تعاظم الخلاف بين الأشقاء بدءوا الاستعانة بالأطراف الخارجية، فتحالف المعظم عيسى مع الخوارزميين الذين كانت لهم أطماع في ديار بكر التابعة للأشرف موسى، وكان قطع الخطبة للملك الكامل في دمشق إيذانا بإعلان هذا التحالف، وفي نفس العام 1226م أرسل الكامل قائده فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ إلى الامبراطور فريدريك الثاني الذي ترك باب التفاوض مفتوحا فأرسل الهدايا إلى القاهرة، وفي المقابل رد الكامل الهدايا بأحسن منها ومبالغة في التزلف لفريدريك أرسل الكامل له رسالة يطلب منه فيها أن “يحضر إلى الشام والساحل ويعطيه البيت المقدس، وجميع فتوح صلاح الدين بالساحل”.

كانت مدينة بيت المقدس تابعة لحكم المعظم عيسى، وكان على رسول الإمبراطور الذهاب إلى دمشق لاستكشاف الأمر، وكان رد المعظم عيسى حاسما”…ليس عندي إلى السيف”.

استغل الكامل محمد وفاة أخية المعظم عيسى فجأة، وخرج على رأس جيشه في سبتمبر1228م وضم بيت المقدس ونابلس، وقد استنصر الناصر داود ابن المعظم عيسى عمه الأشرف موسى الذي خاطب بدور أخاه الكامل فرد الاخير بأنه إنما جاء لتأمين البلاد من خطر الصليبيين، وما لبث أن أرتد بجيشه إلى تل العجول بغزة، وهناك التقى بالأشرف الذي حضر بجيشه، فاتفقا على اقتسام ملك المعظم عيسى، وحاصر الجيشان دمشق وانتهى الأمر إلى إعادة تقسيم البلاد بينهم فكانت دمشق من نصيب الأشرف، وحصل الناصر داود على الكرك والشوبك واستولى الكامل على البلاد الشرقية من اقليم الجزيرة على امتداد الفرات، وبقية فلسطين وما لبث الناصر أن تنازل لعمه الكامل عن الشوبك، ثم دب الخلاف بين الأشرف والكامل بسبب رفض الكامل منح أخيه “الرقة” قائلا له: “أما يكفيك كرسي بني أمية”.

 

خيانة الملك الكامل.. وتسليم بيت المقدس للصليبيين

اتفاقية يافا 18 فبراير 1229م

اضطر فريدريك إلى التحرك صوب الشام في عدد قليل من جنوده بعد أن أصدر البابا قرار بحرمانه بسبب تلكؤه في التحرك، وادعائه المرض وعودته من نصف الطريق إلى” بوتشولي” للاستشفاء.. وعند دخوله إلى عكا في سبتمبر 1228م كان الوضع قد تغير على الأرض بموت المعظم عيسى وتراجع الكامل عن دعوته، وعدم إبداء الصليبيين في الشرق أي تعاطف معه بوصفه محروما، ثم بدأت رحلة مفاوضات بين فريدريك الثاني والكامل محمد اكتنفها كثير من الارتياب والخداع المتبادل مما زاد الأمر سوء بالنسبة لفريديك بعد إصدار الباب قرارا ثانيا بالحرمان لأنه تحرك دون التحلل من الحرمان الاول.

كان وضع فريدريك يزداد سوء فليس معه ما يكفي من القوات، وهو منبوذ من أمراء الشرق ومحروم من الكنيسة في الغرب، وملكه مهدد من أعدائه في أوروبا، ومن العجيب أنه في ظل هذه الظروف يستطيع الإمبراطور الحصول على مالم يحصل عليه ريتشارد قلب الأسد في أوج سلطانه ومجده.

لقد وقّع الإمبراطور مع الكامل اتفاقية في 18 فبراير 1229م عرفت باتفاقية يافا ونصت على: حصول مملكة بيت المقدس على مدينة القدس ذاتها وبيت لحم مع شريط ضيق من الأرض يخترق اللد، وينتهي عند يافا على البحر، فضلا عن الناصرة، وغرب الجليل بما يشتمل عليه من حصن مونتفيرات وتبنين وما تبقى حول صيدا من المناطق الإسلامية على أن تبقى أسوار بيت المقدس خرابا ولا يعمرها الصليبيون، ويظل في أيدي المسلمين من بيت المقدس منطقة المسجد بما تحتوي عليه من مسجد قبة الصخرة والمسجد الاقصى، وللمسلمين الحق في التردد عليه وممارسة العبادات بحرية، وللنصارى حق الزيارة فقط، كما اتفق الطرفان على إطلاق جميع الأسرى وعلى أن تبقى المعاهدة سارية لمدة عشر سنوات.

وما لبث الكامل أن أرسل رسوله إلى بيت المقدس ليدعو المسلمين للخروج من المدينة لتسليمها للصليبيين، فَعَظُمَ ذلك على المسلمين واشتد الإنكار على الكامل، وأعلن الناصر داود الحداد العام في دمشق.

أراد الخائن أن يبرر موقفه فأعلن أنه لم يتنازل إلا عن دور وكنائس خربة وأن شعار الإسلام في القدس مازال قائما والمسجد على حاله.

دخول فريدريك القدس في 17 مارس 1229م

وعند دخول الإمبراطور المدينة قام قاضي نابلس المدعو شمس الدين بتسليم مفاتيح المدينة له نيابة عن الملك الكامل.. ثم قام فريدريك بتتويج نفسه ملكا على مملكة بيت المقدس، والمفترض أنه وصي فقط على العرش لحداثة سن الملك الشرعي كونراد.. إلا أنه وفي غمرة الرفض من الجانبين أراد أن يُحَصِّلَ أكبر المكاسب في ظل حالة الذهول التي أصابت الجميع.. ثم زار فريدريك المسجد الأقصى، وطلب الكامل من المؤذنين عدم رفع الأذان طيلة وجود الإمبراطور احتراما له .. الغريب أن الإمبراطور عندما بلغه ذلك نقم على الكامل قائلا للقاضي شمس الدين.. “والله إنه كان أكبر غرضي من المبيت في القدس أن أسمع أذان المسلمين وتسبيحهم في الليل” ومن المعروف أن فريدريك قد نشأ في صقلية في الوقت التي كانت فيه تحت حكم المسلمين فتعلم العربية وأتقنها وحفظ كثيرا من أشعار العرب، وكان ميله واضحا نحوهم.

ولم يدم مكوث فريدريك بالأرض المقدسة طويلا إذ اضطر إلى مغادرة عكا أواخر مايو 1229م بعد أن بلغه إغارة صهره يوحنا بريين بالجيش البابوي على أملاكه في إيطاليا، وقبيل مغادرته عين فريدريك باليان سيد صيدا، وجارنييه الألماني نائبيين عنه في حكم المملكة.

الغريب أن الملك الكامل الذي سلم القدس للإمبراطور المنبوذ من الكافة والمحروم من الكنيسة، والذي كانت مملكته في أوربا قيد مناوشة أعداء كثر- ظل منشغلا بحصار دمشق بعد وفاة الأشرف موسى المفاجئة وتولي الصالح إسماعيل، وبلغ الحصار مبلغا من الخسة حين منع الكامل الماء عن المدينة وكاد أهلها أن يموتوا عطشا، فاستسلمت دمشق للملك الخائن فدخلها مختالا، لكن يد الردى كانت إليه أقرب فتوفى بعد شهرين فقط من دخوله دمشق، لتطوى بهلاكه صفحة من أسود صفحات التاريخ الإسلامي.. وما أكثر صفاحتنا السود!.