حلول أمنية ومليارات ضائعة

فى الوقت الذى لا يتوانى فيه نظام الرئيس عبد الفتاح السيسى عن فرض الضرائب ورفع أسعار السلع والخدمات الأساسية على ملايين الفقراء، بشكل أحال حياتهم إلى قطعة من الجحيم، فقد أضاع هذا النظام بسياساته غير المفهومة مليارات الدولارات على البلد، وكان من الممكن أن تغير شكل الحياة فى مصر، وتجعلها أقل بؤسا لأبناء الطبقة الوسطى وأقل بطشا بمحدودى الدخل.

فى قطاع السياحة فقط، تخسر مصر أكثر من 9 مليارت دولاركل سنة، بما يوازى 65% من إيرادات السياحة عام 2011 والتى بلغت 14 مليار دولار، لتصبح 5 مليارات فقط العام الماضى، وإذا استبعدنا العامين التاللين لثورة يناير من التسبب فى هذه الخسائر إضافة إلى العام الذى حكم فيه الإخوان بسبب الاضطرابات السياسية العنيفة التى شهدتها البلاد، فإن الخسائر التى مّنى بها هذا القطاع خلال سنوات الاستقرارالأربع المفترض أنها كانت تميز حكم السيسى وقبله السنة التى كان فيه عدلى منصور رئيسا للبلاد وكان فيها السيسى هو الرجل القوى فى النظام، تتعدى 36 مليار دولار حتى الآن، ومن المتوقع أن تبلغ 45 مليار دولار مع انتهاء فترة رئاسته، حيث لا توجد أية مؤشرات على حدوث تغييرات ما خلال الشهور المتبقية من حكمه.

وحتى ما يمكن أن نطلق عليه الآن بضمير مستريح فضيحة “قناة السويس الجديدة”، بعد أن كبدت جيوب المصريين خسائر بلغت 8 مليارات دولار تكاليف حفرها غير الاقتصادى وغير المبرر فى سنة واحدة، تبخرت فى الهواء كل تصريحات الرئيس وحكومته، حول مليارات الدولار التى ستصب فى الخزانة المصرية نتيجة تضاعف حركة مرور السفن، وتراجعت إيرادات قناة السويس بشكل ملحوظ، حيث كشف البنك المركزي في أحدث تقاريره عن أداء ميزان المدفوعات تراجع متحصلات رسوم المرور بالقناة، خلال الفترة من يوليو 2016 إلى مارس 2017 بمعدل 4.2%، لتسجل 3.7 مليار دولار، مقابل 3.9 مليار دولار، نتيجة لانخفاض الحمولة الصافية للسفن العابرة، بمعدل 1.7% وانخفاض متوسط قيمة وحدة حقوق السحب الخاصة أمام الدولار بمعدل 1.6%.

فى نفس الوقت، فقد ارتفع الدين الخارجى إلى 67 مليار دولار فى نهاية ديسمبر الماضى، بزيادة 19 مليار دولار خلال عامين فقط، ومن المتوقع أن تصل هذه الديون إلى أكثر قليلا من 100 مليار دولار مع الشروع فى تنفيذ مفاعل الضبعة النووى بقرض من روسيا تبلغ تكاليفه نحو35 مليار دولار، كما بلغت معدلات التضخم أرقاما قياسية، وتجاوزت حاجز ال 30%، وارتفع سعر صرف الدولار إلى نحو 18 جنيها، بعد أن كان 7 جنيهات فقط أو أكثر قليلا بعد ثورة يناير، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تدنى مستويات المعيشة للأغلبية العظمى من المصريين خلال حكم الرئيس السيسى، الذى كانت وعوده الانتخابية منذ 3 سنوات تؤكد على أن ” مصر هتكون أد الدنيا “، دون أن يوضح لهما لماذا لم تتحقق هذه الوعود الوردية!

ورغم ذلك كانت كل الفرص متاحة أمام السيسى ليحقق هذه الوعود أو حتى نصفها، أو على الأقل كان فى إمكانه منع كل هذا البؤس والشقاء الذى يحيط بالمصريين من كل الجوانب، فلو قدم الرئيس برنامجا ديمقراطيا للحكم، يستهدف من ورائه تحقيق الاستقرار السياسى فى البلاد، لانتعشت حالة السياحة، بشكل كان سيوفر له مليارت الدولارات بدلا من اللجوء لقرض صندوق النقد الدولى بشروطه المجحفة، وكان سيوفر له العملات الصعبة التى كان من الممكن أن تغنيه عن كارثة تعويم الجنيه، أو رفع الدعم عن الفقراء ومحدودى الدخل، بل كان من المؤكد أن الاستثمارات الأجنبية ستتضاعف وتتدفق فى شرايين الإقتصاد، بما يقلل من حدة التضخم، ويوفر ملايين الوظائف للشباب العاطلين عن العمل، ويقضى على حال الركود المستمرة فى الأسواق.

لكن الرئيس ربما بحكم نشأته العسكرية فضل اللجوء إلى الحلول الأمنية لمعالجة أزماتنا السياسية، لم نر فى سنوات حكمه الثلاث سوى تصاعد خطوات متتالية لإقامة نظام شمولى، منها خنق المجال العام، والتضييق على حرية التعبير والصحافة، وحجب المواقع الإلكترونية، ومصادرة الحقوق التى كفلها الدستور فى التظاهر والإضراب، وإغلاق الأبواب أمام الأحزاب والقوى السياسية والمنظمات الحقوقية، وفتح المعتقلات، التى تقول تقارير حقوقية أنها تضم ما بين 40 إلى 60 ألف معتقل، مع تصاعد العمليات الإرهابية التى تستنزف قوى الجيش والشرطة.

لا أحد يتوقع تغييرات مفاجئة فى سياسات الرئيس، قد تتغير حكومة، وقد يحاكم مسئول بتهمة التقصير ، لكن المؤكد أن بقاء نفس السياسات الحالية يفتح أبواب الاحتمالات على سيناريوهات قد تقلب كل الأوضاع الحالية رأسا على عقب !