حرب تموز.. محطات مضيئة في تاريخ المقاومة اللبنانية

صفحة ذهبية سطرها الشعب اللبناني ووقعتها المقاومة بقيادة حزب الله، حرب دخلتها إسرائيل ضد لبنان لإثبات أنها تملك “جيش لا يُهزم” حسب زعمهم، لتخرج منها منكسرة بعد أن أصابتها خيبة الأمل وانهار مشروعها الواهم لتضيف بقعة سوداء في التاريخ العسكري الصهيوني وتفضح كذب الإدعاءات الإسرائيلية.

حرب تموز أو ما يسمى حرب لبنان الثانية، التي اندلعت في 12 يوليو عام 2006، بين قوات من المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله، وقوات الجيش الصيهيوني، وقد استمرت هذه الحرب لمدة 34 يومًا في مناطق مختلفة من لبنان، لكنها تركزت في المناطق الجنوبية والشرقية وفي العاصمة اللبنانية بيروت، وامتد تأثير الحرب إلى شمالي فلسطين المحتلة على الحدود مع لبنان، وهضبة الجولان السورية المحتلة، وقتل خلال الحرب ما يقرب من 119 جنديًا إسرائيليًا و44 مدنيًا صهيونيًا باعتراف الجيش الإسرائيلي، وكان قوام قوات المقاومة حينها ما بين 15 إلى 20 ألف جندي، فيما كان قوام القوات الصهيونية ما بين 10 آلاف في بداية المعركة إلى 30 ألف في نهايتها.

الوعد الصادق

جاءت حرب تموز ليفي حزب الله بوعد قد قطعه بتحرير أسرى ومعتقلين لبنانيين في السجون الإسرائيلية، وبعد مفاوضات شاقة ماطلت خلالها إسرائيل بإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين وفشلت في نهاية المطاف، لجأ حزب الله إلى تحقيق هذا الوعد بطريقة أخرى، فكان يجب أن تأسر المقاومة في المقابل جنود إسرائيليين للمساومة على إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين الذين كان أبرزهم في ذلك الوقت “سمير القنطار” الذي اعتقل عام 1979.

كانت عملية “الوعد الصادق” شرارة حرب تموز، ففي صباح يوم الأربعاء الموافق 12 يوليو عام 2006، وأثناء تحرك قوة عسكرية إسرائيلية من ثمانية جنود عند بلدة خلة ورده، كانت وحدة خاصة من المقاومة اللبنانية قد زرعت عبوة ناسفة استهدفت بها القوة العسكرية الصهيونية، وقد أدى انفجارها إلى قتل وجرح جميع عناصر القوة، لتدور بعد ذلك اشتباكات عنيفة بالأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة تمكنت خلالها المقاومة من قتل خمسة جنود إسرائيليين بينهما “إيهود غولدفاسر” و”إلداد ريغف” أعلن حزب الله والجيش الإسرائيلي أسرهما في البداية ثم أعلنا بعد ذلك عن مقتلهما، ليتم تبادل جثامينهما مع الأسرى اللبنانيين في 16 يوليو عام 2008، وفي نهاية هذه المعركة اعترف الكيان الصهيوني بمقتل ثمانية جنود ووقوع اثنين في الأسر.

عملية “الوعد الصادق” شكلت صفعة للكيان الصهيوني الذي لم يتوقع أن يتم أسر وقتل قواته بهذه السهولة، فاتخذت حينها القيادة الصهيونية بزعامة رئيس الوزراء “إيهود أولمرت” قرارًا بشن هجومًا جويًا على جنوب لبنان مستهدفة بنكا من الأهداف وصل إلى 420 هدف متنوع ما بين البنى التحتية اللبنانية، إضافة إلى منازل عدد كبير من المسؤولين في المقاومة اللبنانية ومقرات قيادة حزب الله، ووسائل الاتصال وهوائيات الإرسال، والطرقات والجسور، ومحطات الكهرباء ومطار بيروت، الأمر الذي كان أشبه بمجزرة للأخضر واليابس، حيث أحصي عدد القتلى بعد 6 أيام من العدوان الصهيوني حوالي 300 قتيل بينهم 132 طفلًا دون الثامنة من العمر، ووصل العدد بعد شهر إلى 1126 قتيلًا.

لأول مرة.. صواريخ المقاومة في “حيفا” و”عكا”

بعد أيام انضمت قوات بحرية إسرائيلية للهجوم، واستدعى الجيش الإسرائيلي فرقة احتياط مؤلفة من ستة آلاف جندي لنشرها سريعًا شمال إسرائيل، لكن في مقابل هذا السعار الصهيوني كان حزب الله متأنيًا في ردة فعله، حيث خرج الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، ليعرض التفاوض مُهددًا بالتصعيد في حال بادرت إسرائيل بذلك ووصول الصواريخ اللبنانية إلى قلب إسرائيل، وفي الوقت نفسه برأ “نصر الله” الحكومة اللبنانية من عملية الوعد الصادق، وأكد أن العملية هي عملية فردية يتحمل مسؤوليتها الحزب وحده.

تهديدات حزب الله ربما لم تصل إلى مسامع الكيان الصهيوني أو وصلت لكنه لم يأخذها على محمل الجد، فبادرت إسرائيل بفرض حصارًا بحريًا وجويًا على لبنان، ليأتي رد فعل المقاومة صادمًا باستهداف صواريخها مدينة حيفا، حيث قال “نصر الله”: “إنها حربًا مفتوحة على إسرائيل كما اختارت هي”، وهنا انطلقت صواريخ المقاومة لتعبر إلى بلدات وقرى شمالي إسرائيل، حتى أنها وصلت إلى مدينة حيفا وتضررت عدد من المدن بينها كريات شمونه ونهاريا وعكا وصفد والمغار وطبرية والعفولة ورامات ديفد وبيسان والخضير.

بارجة “ساعر 5”

في نهاية كلمة الأمين العام لحزب الله التي تبعت القصف اللبناني على إسرائيل، قال موجهًا حديثه للشعب اللبناني: المفاجآت التي وعدتكم بها ستبدأ من الآن، البارجة العسكرية “ساعر” التي اعتدت على بنيتنا التحتية، انظروا إليها تحترق وستغرق ومعها عشرات الجنود الصهاينة الآن، وهو ما حدث بالفعل حيث ضربت المقاومة اللبنانية البارجة الحربية الإسرائيلية “ساعر 5″، واعترف الكيان الصهيوني بمقتل 4 جنود على متنها، وأبعدت إسرائيل قطعها البحرية عن الشاطئ اللبناني تجنبًا لتعرضها لضربات أخرى على غرار “ساعر”.

“وادي الحجير”.. مقبرة الميركافا

في الأيام الأخيرة للحرب وبعد أن فقدت إسرائيل الأمل في إنجاز أي تقدم عسكري يبرر الإخفاقات السابقة لها خلال أيام الحرب الأولى، حاولت مرة أخيرة السيطرة على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني والممتدة حتى الحدود الشمالية للجليل، وقد مهدت إسرائيل تقدمها في المنطقة بقصف مدفعي لتتسلل بعد ذلك أول سرية مدرعة في اتجاه منطقة الطيبة بغرض تأمين محور التقدم إلى وادي الحجير، لتدخل بعدها دبابات ميركافا المنطقة، ومع وصولها إلى معبر الطيبة وقبل دخول وادي الحجير، وجدت الدبابات صواريخ المقاومة المضادة للدروع في انتظارها، حيث دمرت هذه الصواريخ 8 آليات صهيونية بين دبابة ميركافا و جرافات، واعترف الإسرائيليون حينها بحصيلة المواجهات التي سقط فيها ما يزيد عن 12 إصابة ما بين قتيل وجريح، وتدمير 61 دبابات ميركافا، ما أضرّ بهيبة الدبابة التي توّجت آنذاك كأفضل دبابة في العالم من الصناعة الإسرائيلية.

انتهاء الحرب.. وانهيار الحلم

انتهت الحرب بتوقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي نص عليه القرار 1701 لمجلس الأمن الدولي، حيث نص القرار على إنهاء العمليات القتالية من كلا الجانبين، وإضافة 15000 جندي لقوة “يونيفيل” لحفظ السلام، مع انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الخط الأزرق وانسحاب قوة حزب الله إلى شمال “نهر الليطاني” وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب.

وقد وقعت الغارة الأخيرة في حرب تموز في 14 أغسطس عام 2006، وذلك قبل ساعات من دخول اتفاق وقف الأعمال العدائية حيز التنفيذ، لتنتهي الحرب عسكريًا لكن تستمر سياسيًا، حيث دبر الاحتلال حملات تصفية لمقاومي حزب الله إضافة إلى عملياته العسكرية من وقت لأخر في الجنوب اللبناني، في محاولة منه لإعادة هيبة جيشه التي فقدها في عام 2000 و2006، لكن المقاومة قد لقنت الاحتلال درسًا بأن “أي حرب تشنها إسرائيل على لبنان ستدفع مقابلها أثمانًا غالية وفي الأغلب لن تحقق أهدافها”.

بالرغم من تعدد الأهداف الصهيونية سواء المُعلنة أو السرية للحرب على لبنان بين تدمير البنية التحتية اللبنانية وتدمير حزب الله ونزع سلاحه أو تحرير الأسرى الجنود الإسرائيليين، أو استعادة قدرة الردع الإسرائيلية بعدما تآكلت منذ العام 2000، إلا أن الحرب انتهت دون تحقيق هدف واحد من الأهداف الصهيونية، بل فضحت حرب تموز الإدعاءات الصهيونية المتكررة سواء فيما يخص “الدبابة ميركافا” وتأثير ذلك على سوق التصدير، أو فشل البنية الدفاعية في العمق الإسرائيلي، أو عجز منظومة الاستطلاع والاستخبارات الميدانية والعسكرية، أو ضعف البنية التنظيمية للجيش الذي ادعت إسرائيل أنه لا يُقهر، إضافة إلى ضعف وفشل القيادة السياسية الإسرائيلية واتخاذها قرارت غير محسوبة العواقب.