جزيرة الوراق.. أزمة غياب السياسة

حضرت الغشومية وغابت السياسة، هذا إذا أردت تلخيصاً لما جرى على أرض جزيرة الوراق الأيام القليلة الماضية.

أوضح ما أظهرته الأحداث والوقائع أن مصر تعاني أزمة حقيقية ليس لها اسم إلا غياب السياسة، وتواري الرشد بعيداً عن الساحة.

ليس في أزمة الوراق وحدها، قبلها في أزمة الجزيرتين، وقبلهما وبعدهما في كل أزمة تمر بنا، أو تفتعلها حكومتنا تغيب السياسة دائما كأنها رجس من عمل الشياطين، لا يقربها الملائكة الذين يحكموننا ويتحكمون فينا!.

منذ اللحظة الأولى بدا أنهم لا يحبون السياسة ولا السياسيين، ولا يحبون الإعلام، ولا الإعلاميين، حتى المطبلاتية منهم لهم عليهم ملاحظات، ولهم منهم الكثير من الطلبات، ينظرون إليهم كأذرع إعلامية ليس لها أن تتحرك إلا بأوامر من أصحابها.

في زمن حسني مبارك كنا نقول أنه تسبب في موت السياسة، ولكن حتى في نهايات عهده كانت السياسة موجودة على صفحات الجرائد، وشاشات التليفزيون، وداخل قاعات مؤتمرات حزبه الدعائية، صحيح أنها غابت عن الشارع، وعن قضايا الناس الحقيقية، وحل محلها أمن الدولة وتسيدت الحلول الأمنية على الحلول السياسية، لكنا صرنا في عهد مثَّل بجثة السياسة ونكل بها كل أنواع التنكيل.

دائماً كانت الدولة المصرية منذ عهود الفراعنة تركز على الإدارة وتستبعد السياسة، ولكننا اليوم أمام نظام يركز على الإدارة طبقاً لرؤية قاصرة وبناء على توجيهات لا تقبل النقاش حولها، حتى صارت الإدارة كلها رهينة رأي واحد لا يطيق سماع أحداً غيره.

المشكلة أن البعض يتصور، ويحاول أن يصور للناس، أن غياب السياسة ليس مشكلة إلا عند بعض السياسيين الطامحين إلى أداء دور سياسي طبقا لقناعاتهم، لكن الشيء الحقيقي والمحزن أن غياب السياسة قضية باتت تمس بالأمن القومي المصري في الصميم.

غياب السياسة ليس أمراً يخص الراغبين في المعارضة بل صار أمر يتعلق بمستقبل الوطن.

الدماء التي سالت على أرض الجزيرة كان يمكن أن تصان بالعقل السياسي، بالرشد في إدارة الأزمة، بالشفافية في إعلان المطلوب والمخطط، وبالعدل في تحمل النتائج، فإذا كان من الضروري أن تنتزع ملكية خاصة لبعض الأهالي من أجل مصلحة عامة فأول شرط يجب توفيره في مثل هذه الحالة أن يعوض هؤلاء الناس تعويضاً عادلاً ومجزياً، بل وأطالب بتعويض مغري لهم بالخروج من أرض سكنوها وعاشوا فيها طوال كل هذه العقود الماضية، هذا إذا كان الخروج لمصلحة وطنية معتبرة وليس لتحقيق مصالح خاصة برجال أعمال أو مستثمرين.

ما المشكلة في أن يكون للدولة مشروع لتطوير الجزيرة وأخواتها، بالعكس فهو شيء محمود، وربما يكون مطلوباً، ولكن غير المشروع والخارج عن كل القوانين والضارب عرض الحائط بالدستور أن يكون هذا المشروع على حساب آلاف المواطنين، وأن يجري غصباً عنهم عنوة واقتداراً وبالمخالفة للقانون ولأحكام القضاء الموجودة بأيدي المواطنين.

والأسوأ على الاطلاق أن يتم استخدام سطوة الدولة من أجل مشاريع خاصة لمستثمرين سواء كانوا عرباً أم مصريين.!

حق الدولة في استعادة أملاكها مصون ومكفول بالدستور وبالقانون.

وواجب الدولة في صيانة حقوق المواطنين وكفالة أمنهم منصوص عليه في الدستور وتحكمه القوانين.

وحده قانون الغاب هو الذي يحول الدولة من سلطة قانونية ودستورية إلى سلطة قهر وتسلط وفرض إرادتها على المواطنين.

الأزمة أظهرت الكثير من أوجه الخلل في إدارة الحكومة لملفاتها، ولكن أهم وأخطر مواطن هذا الخلل تبدَّت بوضوح في تجنيب العمل السياسي، وتقديم العمل الأمني، فكانت النتيجة أن انسحبت القوات في شكل مهين لهيبة الدولة التي اتُخذت كذريعة لهذا التدخل الخشن والدموي في قضية تمس الآلاف من المواطنين.

غابت السياسة وغاب أعضاء البرلمان وغاب الرشد في التحضير والتخطيط لمثل ما جرى هذا الأسبوع في الوراق، ثم وبعد كل ما جرى نعود لنوقف الإجراءات ونعود إلى ممثلي المواطنين في البرلمان، ونتحدث عن ترشيد غاب خلف منطق القوة ومفهوم التسلط.

هيبة الدولة التي تبنى على السخط العام سرعان ما تتآكل وتضيع وتسقط عند أول اختبار حقيقي.

هيبة الدولة تتحقق بالعدل أولاً واحترام القانون أولا وأخيراً، واحترام أحكام القضاء على طول الخط وبدون أي استثناء.

هيبة الدولة ليست كهيبة تجار المخدرات، ولا يمكن أن تكون مثل هيبة البلطجي الذي يفرض سطوته على الحي أو الشارع أو الحارة التي يعتبرها جزءاً من مخصصاته وتدخل تحت وصايته وحمايته يتصرف فيها تصرف المالك الأصيل، ويتعامل مع الخارجين على قانونه الخاص بالقوة لا بالعدل، وبالسطوة لا بالتفاهم، وبالمطواة لا بمراعاة حقوق الجيرة.

الكلام السياسي الوحيد في أزمة جزيرة الوراق ظهر حين حاول البعض إدخال الإخوان في جملة مفيدة وتحميلهم مسئولية الأحداث المأساوية التي وقعت على أرض الجزيرة، أو إلصاق التهمة في المتطرفين والبلطجية المندسين في صفوف الوراقين.!

وهو كلام سياسي من النوع العبيط.

الأكثر عبطاً من ذلك كله أن يخرج علينا وزير في الحكومة التي أمرت بالإزالات لكي يقدم تفسيراً خارج المنطق، ويقول إن «حملة الإزالات إجراء استباقى يهدف لحماية الأهالي من الغرق عند ارتفاع منسوب المياه في النيل».!

منطق الحوار مع المواطن غائب، ومنطق إجبار المواطن حاضر، وتلك هي المشكلة، وهذه هي المأساة، خاصة أن يتم ذلك بعد ثورتين واحدة في يناير 2011 والأخرى في يونيو 2013.

منطق ومنهج الإدارة بالكرباج لا يمكن أن يستمر طويلاً في مجتمع مليء بالمشاكل ومترع بالتناقضات.

مصر لم تعد قادرة على تحمل المزيد من قهر التسلط في ظل القهر الاجتماعي الذي يعانيه الملايين من المواطنين.

مصر لم تعد تملك رفاهية أن تخطئ السلطة في فهم صبر الناس وتحملهم.

مصر ليست في حاجة إلى مزيد من التسلط والقهر وفرض إرادة الحاكم.

مصر في حاجة إلى مزيد من العدالة واحترام القانون وتغليب منطق الصالح العام لا توسيع نطاق المصالح الخاصة.

أمن مصر ليس في حاجة إلى المزيد من اختراع الصدامات بينه وبين الناس، وهو يخوض معركة شرسة مع الإرهابيين ومن يقفون وراءهم ومفروض أن تكون قبلتهم موجهة ضد المخططات التي تريد أن تنال من أمن الوطن ومستقبله.

فقراء مصر ليسوا في حاجة إلى المزيد من دهس كرامتهم في ظل تدهور أوضاعهم المعيشية وأحوالهم الاقتصادية.

فقراء مصر في حاجة ماسة إلى الطبطبة على جراحهم لا أن ينكأ البعض فيها بلا رحمة ولا ضمير.