تثبيت الدولة أم النظام؟

عندما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي الإعلاميين إلى تشكيل “فوبيا ضد إفشال الدولة”، تخيلت أنها زلة لسان، فالرجل خانه التعبير، وأنه كان يقصد دعوة أهل الإعلام إلى تشكيل مجموعة ضغط “لوبي” لحصار محاولات إفشال الدولة. وما إن انتهت جلسة “صناعة الدولة الفاشلة.. آليات المواجهة” التي عقدت ضمن فاعليات مؤتمر الإسكندرية للشباب نهاية الأسبوع الماضي، حتى دارت ماكينة “الفوبيا” في صحف وفضائيات وأحزاب ووزارات مصر، فتساءلت: هل بلغ النفاق بالبعض أن يتعامل مع زلة لسان السيسي باعتبارها تكليفًا رئاسيًّا؟.. هل من الممكن أن يطلب رئيس مصر نشر الخوف في نفوس الشعب على الهواء مباشرة؟

عدت في اليوم التالي إلى أحد الزملاء حضور الجلسة لأتحقق من السياق الذي أطلقت فيه الدعوة، فأكد لي أن دعوة الرئيس تتلخص في أن يعمل الإعلام على تصدير “فوبيا” إسقاط الدولة على غرار ما جرى في سوريا وليبيا إلى الرأي العام، فانقبض قلبي على المستقبل الذي ينتظر الدولة. لا تتأسس الشرعيات على الخوف، ولا يمكن لنظام أن يستمر بتصدير “الفوبيا”، فالسلطة الحالية رفعت قواعد شرعيتها على أنقاض حكم الإخوان تأسيسًا على بيان 3/7/2013، الذي وضع فيه الجيش مع “بعض رموز القوى الوطنية والسياسية خارطة مستقبل، وفر فيها أسباب الثقة والطمأنينة لهذا الشعب، بما يحقق طموحه ورجاءه، وتتضمن خطوات أولية تحقق بناء مجتمع مصري قوي ومتماسك، لا يقصي أحدًا من أبنائه وتياراته، وينهي حالة الصراع والانقسام”. ولم يضع دستور 2014 الذي صيغ في ظروف أمنية وسياسية مضطربة أي إشارة إلى الخوف، بل بالعكس، فديباجة هذا الدستور التي كتبها الشاعر الراحل سيد حجاب – رحمه الله – أكدت على حق الشعب في صنع مستقبله؛ باعتباره وحده مصدر السلطات، وعلى أن الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية حق لكل مواطن. بالطبع لا يتذكر أحد الآن ديباجة الدستور الحالمة ولا مواده الحاكمة، فالوثيقة التي “وضعت بنوايا حسنة” رفعت على الرف، وحل محلها التكليفات والأوامر الرئاسية “لأن الدول لا تبنى بالنوايا الحسنة”.

في ذات الجلسة التي طلب فيها الرئيس تصدير “الإرهاب من إفشال الدولة”، قالت الزميلة نهى النحاس المدير التنفيذي للمعهد الدنماركي للإعلام بالقاهرة إن الدولة تفقد وعي مواطنيها في اللحظة التي تغلق فيها القنوات والمواقع المنتمية لمنظومة الإعلام الوطني. وأضافت أن الأنظمة السياسية ترى أحيانًا أنها يجب أن تضحي بحرية الإعلام في سبيل تدعيم الدولة، وهو الأمر الخاطئ، مؤكدة أن أكثر ما يضر الدولة هو عدم تدعيم منظومة الإعلام الحر، لأن ذلك يجعل المجتمع مستباحًا أمام الرسائل الإعلامية الأخرى. وأوضحت النحاس أن آليات مواجهة الدولة الفاشلة تتمثل في التصميم على إنشاء منظومة إعلام مستقل أو مهني، وكذلك الانتهاء من قانون تداول المعلومات، وأن تصبح فيه الاستثناءات بسيطة وواضحة، و”قرارها مش في إيد شخص”.

في مقال نشر بجريدة الجاردين عام 2007 بعنوان “صناعة الخوف” عدت الكاتبة والناشطة النسوية الأمريكية ناعومي وولف 10 خطوات ضرورية تستخدمها الجماعات الفاشية والحكومات لتدمير الطابع الديمقراطي للدول وتخريب الحرية الاجتماعية والسياسية التي تمارس من قبل مواطنيها: 1- استدعاء ثقافة الخوف وصناعة الأعداء الداخليين والخارجيين. 2- إنشاء شبكة خاصة للقمع . 3- تطوير طبقة اجتماعية للبلطجة. 4- ينبغي أن يشعر الجميع أنهم مراقبون. 5- السيطرة على المؤسسات الدينية والأحزاب والجماعات. 6- لعبة الاعتقال والإفراج. 7- استهداف الرموز المشاغبة والمعارضة. 8- السيطرة على الإعلام. 9- توسيع دائرة العمالة والخيانة. 10- تعليق سيادة القانون ووضع قوانين استثنائية.

لم تتهم وولف مؤلفة كتاب “نهاية أمريكا”، الذي نشر في ذات العام، من نظام الرئيس جورج بوش بأنها ممولة من روسيا أو الصين، كما لم توجه لها تهم تتعلق بالانتماء إلى جماعة أسست على خلاف القانون والدستور. من الجائز أن يدعم الخوف استمرار الأنظمة، لكنه لا يثبت دعائم الدول، فالدول تقوم على قواعد أخرى، كالديمقراطية والعدالة واحترام حقوق الشعوب.