الرئيس والقراءة الخاطئة لثورة يونيو

 

في خطابه الأخير في الذكرى الرابعة لثورة 30 يونيو، قدم لنا الرئيس عبد الفتاح السيسي قراءته الخاصة لأحداث ومسارات وأهداف هذه الثورة، والتي خلت تمامًا من أي إشارة لعلاقتها بشعارات وأهداف ثورة يناير في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، أو بتحليل أسباب انقلاب كثير من القوى السياسية والجماهيرية التي شاركت فيها على توجهاتها، بل وإبداء معظمهم ندمهم على تأييدها، حيث اكتفى الرئيس بترديد كلام لا يخلو من «الإنشائية» في مستهل خطابه، وهو يؤكد أن أيام الثورة المجيدة ستظل مضيئة وخالدة في تاريخ شعبنا وفي وجداننا، وأن شعبنا العريق أثبت أنه أكثر وعيًا مما تصور أعداؤه، وأشد عزمًا ممن أرادوا به الشر، وأن المصريين سطروا ملحمة وطنية في ثورة شعبية فريدة، واستجابت مؤسسات الدول الوطنية لانتفاضتهم غير المسبوقة في مشهد تاريخي لن يمحى من ذاكرة الأجيال القادمة، بل إن المؤرخين والباحثين سيتوقفون طويلًا أمام هذه الثورة بالدراسة والتحليل.

الشىء الوحيد المتماسك سياسيًّا فى خطاب الرئيس هو رصده لثلاث مسارات خاضتها ثورة 30 يونيو، أولها التصدي للإرهاب ورفض الثورة للحكم الفاشي الديني والاستئثار بالسلطة، وهو ما يمكن الرد عليه بأن هذه الثورة وهي تستقبل عامها الرابع فشلت فشلًا ذريعا فى كبح جماح الإرهاب، الذي لا يزال يتحرك في سيناء، بل وبدأ يضرب بوحشية دور عبادة المسيحيين داخل 4 محافظات مصرية أخرى، في نفس الوقت الذي أصبح فيه سجل الحريات وحقوق الإنسان أسوأ بكثير مما كان عليه الحال أيام حكم الإخوان، والذي كان حق التظاهر والتعبير خلالها في أفضل حالاته ربما فى تاريخ مصر الحديث كله، بل إن أيام حكم مبارك كان سجل الحريات أفضل بكثير أيضًا مقارنة بالوضع الحالي، الذى يشهد موجات متلاحقة من الاعتقالات في صفوف الشباب، وتقليص مساحات العمل السياسي وحريات الصحافة وحرية التعبير، حيث وصل الوضع إلى مصادرة حق التظاهر وحجب المواقع الإخبارية وهيمنة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية ومحاولة السيطرة على السلطة القضائية وافتعال المعارك معها وعدم احترام أحكامها!

 

أما المسار الثاني لثورة 30 يونيو الذي أشار إليه الرئيس السيسي فيتعلق بمواجهة القوى الخارجية الداعمة للإرهاب وجماعات التطرف، والذي يرى الرئيس أنه أكبر من مجرد التخلص من حكم الإخوان الجائر، إلى استعادة مصر دورها الإقليمي النشط، حيث بات صوت مصر مسموعًا، ورؤيتها أصبحت محلًّا للتقدير وموضعًا للتنفيذ، بحسب نص كلام الرئيس، في نفس الوقت الذي أغفل فيه الرئيس كل ما يتردد في الصحف الغربية والإسرائيلية بأن هذه الحرب الإقليمية على الإرهاب بقيادة مصر والسعودية، هى الوجه الآخر لتشكيل حلف سني ـ إسرائيلي لمحاصرة إيران، وتطبيع العلاقات بين دول خليجية وإسرائيل، كما تجاهل الرئيس أيضًا علاقة هذه الحرب على الإرهاب بالموقف من حماس، التي تعتبرها إسرائيل منظمة إرهابية، وبصفقة القرن التي يبدو أنها ستسلم إسرائيل مقاليد قيادة المنطقة!

 

أما المسار الثالث للثورة، فقد لخصه الرئيس بعجالة بأنه يستهدف المضي قدمًا في تحقيق التنمية السياسية والاقتصادية، حيث تم استكمال المؤسسات الدستورية للدولة، لتستقر الأوضاع السياسية، وإعلاء الإرادة الشعبية، في نفس الوقت الذي انطلقت فيه المشروعات الكبرى في أرجاء مصر وتنفيذ برنامج طموح وجاد للإصلاح الاقتصادى لتغيير واقع البلاد ومعالجة أزماتها المزمنة، وهو أيضا ما يمكن الرد عليه بأن مؤسسات الدولة الدستورية تعيش أسوأ حالاتها ربما طوال تاريخنا الساسي كله، فالبرلمان تمت هندسته أمنيًّا، وتتم إدارة جلساته بشكل غير ديمقراطي، والمعارضون بداخله لا يجدون فرصًا كافية للتعبير عن آرائهم، في حين تهيمن السلطة التنفيذية على مقاليد الأمور في الدولة بيد من حديد، وتتخذ قرارات مصيرية بلا أدنى اهتمام بالرأي العام، بل إن الرئيس نفسه قال أكثر من مرة إننا نعيش في «شبه دولة»، وهو ما يتعارض تمامًا مع ما ذكره عن استقرار الأوضاع الدستورية بعد ثورة يونيو.

 

أما على المستوى الاقتصادي، فقد أصبحت حياة المصريين أكثر بؤسًا مع الارتفاعات الفلكية المتتالية في الأسعار، وفشل المشروعات القومية الكبرى مثل «قناة السويس الجديدة» وزراعة 4,5 مليون فدان، وإغراق مصر في دوامة من القروض تهددنا بشبح الإفلاس! قراءة الرئيس المبتسرة أو الخاطئة لمجريات ثورة يونيو، لن تعطي له أي فرصة لإصلاح حقيقي للتدهور المتواصل في أوضاعنا السياسية والاقتصادية، بل إنها سوف تزيد الأوضاع المتردية تفاقمًا، بل تنذر بنشوب انفجارات اجتماعية لن تفلح الحلول الأمنية في إخمادها أو حتى السيطرة عليها بسهولة .