الاستبداد أصل الداء

 

الإرهاب والزيادة السكانية هما أكبر خطرين تواجههما الدولة المصرية، هكذا صرح الرئيس السيسى أثناء جلسات ما يسمى بمؤتمر الشباب الرابع بالإسكندرية، الذى هو إحدى الفعاليات التى تعتقد الدولة من خلال عقدها أنها أبرئت ذمتها وقدمت ما لديها لهذه الفئة المهدور حقها، التى يتم تحميلها كل الخطايا والجرائم التى لم تكن أبدا طرفا فى صناعتها.
بداية لا يجادل أحد أن الإرهاب من أخطر التحديات التى تواجهها الدولة المصرية، لكن هل الإرهاب مرض أم عرض؟

لماذا لا يظهر خطر الإرهاب داخل ألمانيا أو فرنسا أو إنجلترا؟ بالطبع بعيدا عن تلك الحوادث التى تورطت فيها عناصر محسوبة على المسلمين وليس على مواطنى تلك الدول الأصليين.

ببساطة لأنه هذه ليست أشباه دول، بل دول حقيقية، تخضع لنظام دستورى وقانونى تقبل بتداول السلطة وتؤمن بالديمقراطية، ثقافة وممارسة، فلسفة وآليات، تعرف معنى التنمية المتوازنة والشاملة، التى تضمن رفع لياقة المؤسسات خصوصا مؤسسات التنشئة المسؤولة عن صياغة العقل والوجدان الجمعى لمواطنيها.

لا يقبل العقل الجمعى الأوروبى الحدية المقيتة التى نعيشها بين شر وخير، إيمان وكفر، وطنية وخيانة، تجاوز منذ عقود المكارثية والتفتيش فى النوايا، مؤمنا فقط بالأقوال التى تصدقها الأفعال، حريصا على ألا يتغنى بشعارات يكذبها الواقع.

هناك لا يتحدثون عن عظمة شعوبهم ولا يتملقون الشعوب بالكلام المعسول، بينما يسحقون الظهور والرؤوس فى الواقع بكل الوسائل والأشكال.
فى ألمانيا على سبيل المثال حركات فاشية وإرهابية، لكن ما حجم وجودها أو تأثيرها على مسيرة الدولة العفية؟ لاشىء يذكر، بل تبدو تلك النزعات مستوعبة داخل بناء الدولة ولياقة مؤسساتها.

الخطر الحقيقى الذى نواجهه هو فى غياب الديمقراطية والحكم الرشيد وقوة ولياقة المؤسسات، هو فى إهدار فريضة الحوار بين الحاكم والمحكوم، هو فى غياب آليات قياس رضاء الرأى العام عن نمط الحكم وخياراته وسياساته، هل من المقبول فى عالمنا اليوم وفي دولة بحجم مصر أن يجرم ويحرم استطلاع الرأى حول أى قضية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية؟.
هل من المقبول أنه حتى اليوم لا نستطيع أن نتعرف على الأرقام والإحصاءات الحقيقية التى تقول لنا أين كنا وأين نقف الآن وإلى أين المصير؟.

هل من المقبول بعد ما يقال عن ثورات قام بها الشعب المصرى العظيم، الذى لم نلمح من آيات عظمته ما أهو أبعد من الصبر على القهر والفقر والمرض والتعايش مع كل ما لا يليق بعظمته المفترضة؟

الإرهاب خطر نعم لكنه عرض لمرض غياب الدولة الطويل وضعف مؤسساتها، مقابل قوة واستبداد رأس الدولة منذ ثورة يوليو وحتى اليوم مع تباينات بين الزعماء لا تنفى أننا لم نمض يوما على الطريق الصحيح، تغولت السلطة فى مواجهة المجتمع، تحولت الدولة إلى غول يلتهم أحلام الناس فى حياة كحياة كل الناس فى كل الدنيا.

عندما اتسع فراغ غياب الدولة الوطنية المدنية التى لم تكتمل تجربتها منذ يوليو، ودخلت فى طور مركب من الاستبداد خلق ذلك طموح لدولة اعتقد من تصدوا للتبشير بها أو السعى لتأسيسها أنها ستنشأ منزهة عن الخطأ والنقص فى أحضان الدين، بكل ما يحمل من قيم العدل والحرية والشورى والكفاية والعدل الاجتماعى، وهو ما لم يصدقه تاريخ المسلمين إلا فيما ندر من تاريخهم، بالشكل الذى لا يصح الاحتجاج به ولطالما قلنا اننا كمسلمون لم ننجح فى صك نظرية سياسية محكمة، بل لم نظفر سوى ببعض القيم المقبولة إنسانيا دون أن نخلص لها تاريخيا كما ينبغى.

الواقع والتجربة يقولان أن الدولة الوطنية التى عرفها الغرب أمنت الاستقرار والرفاه والسلم ، وهو ما لم ننكره نظريا لكننا نتنكر له عمليا بأن استلهمنا الشكل دون الموضوع كعادتنا فى ابتذال كل شىء.

فى مصر تحدثنا عن الرأسمالية وقلنا أننا نطبقها دون أن تتضمن هيكلا عادلا للأجور أو نظاما صحيحا للنقابات والروابط المهنية، التى لم يقبل أى نظام سياسى فى مصر أن تكون خارج سيطرته.

تحدثنا عن النظام الرئاسى والبرلمانى أو المزج بينهما ولم نظفر بالنهاية سوى بالمبانى التى لم تحقق لنا المعانى أبدا لا برلمانية ولا رئاسية حتى.

دعونا نصدق مع أنفسنا الناس لم يعد أحد قادرا على خداعها، لن نظفر بما نريد ونحن يكذب كل منا على الآخر حكاما ومحكومين، مصر ليست دولة ديمقراطية ولم تعرف أحزابا أو حياة سياسية منذ أكثر من ستة عقود، والحاكم فيها لا يؤمن سوى بنفسه، ولا يرى أحدا آخر أجدر منه أو أكثر قوة وأمانة، ظلا لله فى أرضه أو مبعوثا للعناية الآلهية التى اختارته دون كل الناس، ومن يصل إلى الحكم لا يخرج منه فى الغالب بإرادته ببساطة؛ لأنه لاتوجد فى مواجهته إرادات أخرى لأحزاب أو قوى.

كل حديث عن تنمية أو تقدم أو تطور بعيدا عن الديمقراطية والقضاء على الإستبداد هو محض عبث وخيال ،وسيبقى الإستبداد هو شقيق الفساد وهما صنوا التخلف والتبعية والرجعية

الاستبداد هو الداء الوبيل الذى إن تخلصنا منه لن يبق إرهاب أو تطرف، كما أن الدولة الناجحة لا تشتكى فى الغالب من زيادة سكانها السعداء.