ارتباك إسرائيلي حول اتفاق وقف إطلاق النار جنوب سوريا

تناقض وتضارب وتعارض.. حال الموقف الإسرائيلي من اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع حول جنوبي سوريا، موقف انتقل من التباهي بدور إسرائيل في الاتفاق إلى الاعتراف الصريح بأنه لا يراعي مصالحها الأمنية.

رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أعلن قبل أيام ترحيبه المشروط بالاتفاق بالحفاظ على الخطوط الحمراء التي حددتها حكومته، قائلا: «نرحب بوقف إطلاق نار حقيقي، لكنه يجب ألَّا يسمح بتعاظم قوة إيران في جنوب سوريا، سنستمر في متابعة ما يجري خلف الحدود من ضمن موقف ثابت على الخطوط الحمراء الخاصة بنا ومنع تمركز عسكري لحزب الله وإيران».

رئيس حزب البيت اليهودي، نفتالي بنت، تحدث عن مشاركة إسرائيلية في هندسة الاتفاق وقال: «عملنا لوقت طويل من أجل إنجاز هذا الاتفاق، مصالح كل واحد من الأطراف كانت مختلفة، إسرائيل عرضت مواقفها وقد أخذت بالاعتبار في الاتفاق» مضيفًا: «الاتفاق ليس كاملًا لكننا نحن هندسنا هذا الحدث مع شركائنا وأعدائنا».

لكن ما الذي تغير حتى اختار نتنياهو من باريس تحديدًا إطلاق مواقف مغايرة تمامًا؟ فبعد أن دعم الاتفاق قبل أيام أعلن بعد لقائه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن معارضة إسرائيل الشديدة للاتفاق.

مراسل الشؤون السياسية للقناة العاشرة الصهيونية، مؤاف فاردي، قال: «بعد اللقاء مع الرئيس الفرنسي، قال لنا نتنياهو، إنه يعارض الاتفاق حول الموضوع السوري الذي أنجز بين روسيا والولايات المتحدة؛ لأن الاتفاق يبعد إيران مسافة 20 كيلو مترًا عن الحدود مع هضبة الجولان السوري، لكنه يعزز الحضور الإيراني في سوريا، وهذا ما تعارضه إسرائيل معارضةً جارفة».

وجاءت تصريحات نتنياهو عقب اجتماعه الذي استغرق ساعة مع ماكرون فى قصر الإليزيه، وبعد إحياء ذكرى تعرض اليهود لعملية اعتقال جماعي في باريس خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت تلك أول مرة يحضر فيها رئيس وزراء إسرائيلي مثل هذا الاحتفال.

بالنسبة لنفتالي بنت، العضو في المجلس الوزاري المصغر أيضًا، والذي تحدث عن تدخل إسرائيلي على خط بلورة بنود الاتفاق لمراعاة المصالح الإسرائيلية، أعلن في موقف مناقض كليًّا لتصريحه الأول، بأن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تمت بلورته بين روسيا والولايات المتحدة إشكالي جدًّا، حيث رأى بنت أن إيران تطوق إسرائيل عبر سوريا، وأنها تمثل الخطر الأكبر عليها في المنطقة، وعلى إسرائيل أن تعمل ضد الخطر الإيراني هذا.

وقال مراقبون، إن التحول الجذري في مواقف المسؤولين الإسرائيليين بشأن اتفاق وقف النار جنوب سوريا، قد ينذر بتطور ما، من شأنه أن يغير صورة الوضع في المنطقة التي كانت موجودة حتى الآن، خاصة أن وقع المواقف الإسرائيلية تردد صداه في الأروقة الأمريكية، فبالأمس قالت الخارجية الأمريكية “لدينا مصلحة مشتركة مع إسرائيل لضمان عدم تثبيت إيران قدميها في سوريا”، الأمر الذي ينبئ عن وجود غطاء أمريكي لهذا الرفض الإسرائيلي، مما قد يضع العثرات أمام نضوج هذا الاتفاق، حيث أكد وزير الإعلام الأردني، محمد المومني، وجود اتفاق على آلية لمراقبة وقف إطلاق النار في جنوب سوريا، مشيرًا إلى أن العمل على صياغته يجري في مراحله النهائية.

وقال المومني، الذي يعتبر الناطق باسم الحكومة الأردنية: «هناك تفاصيل فنية وعسكرية وأمنية دقيقة مازال العمل على مراحلها النهائية جاريًا، ومن الصعب جدًّا وضع إطار زمني لهذه التفاصيل وما هو شكلها، وجزء كبير من التفاصيل ربما يكون غير معلن وغير متاح للإعلام».

موقف إسرائيل الجديد قد يحرج روسيا أمام أمريكا، فموسكو كانت قد ألمحت إلى أن الاتفاق الأخير مع واشنطن قد أخذ المصالح الإسرائيلية بعين الاعتبار واستنفذت طاقاتها للوصول لهذا الاتفاق، مما يعني أن مساحة المناورة الروسية محدودة جدًّا لتحقيق هذا الاتفاق، حيث أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، أن روسيا والولايات المتحدة قامتا بكل ما يمكن لأخذ مصالح إسرائيل بعين الاعتبار عند إقامة مناطق خفض التصعيد جنوبي سوريا، وقال وزير الخارجية الروسي، إن الإسرائيليين على اطلاع جيد على ما تم الاتفاق عليه، وبالتالي قد لا تستطيع موسكو تقديم المصالح الإسرائيلية على مصالحها، خاصة فيما يتعلق مع حليفها الإيراني، فتل أبيب ليست وحدها في هذا الاتفاق.

وكانت الولايات المتحدة وروسيا والأردن توصلوا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار جنوب غربي سوريا يدخل حيز التنفيذ في 9 يوليو، وأوضحت السلطات الأردنية أن الهدنة تشمل مناطق وافقت عليها القوات الحكومية السورية ومجموعات المعارضة، وأعلن عن الاتفاق بعد لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال مشاركتهما في قمة مجموعة العشرين.

ويرى مراقبون أن التعديل في المزاج الإسرائيلي قد يكون سببه أن هذا الاتفاق كان على بنود عامة ولم يكن على التفاصيل التي لها علاقة بتواجد الأطراف الفاعلة داخل سوريا، وفي الوقت الراهن المرحلة لم تنضج بعد، فأي توافقات أمريكية روسية لكي تنفذ بحاجة لتفاهم أمريكي روسي، لكنها في الوقت ذاته مرتبط بشبكة إقليمية لا يمكن شطبها أو تجاهلها كقوى فاعلة في الميدان السوري.

سياسة إسرائيل كدولة محتلة معروفة، فهي دائمًا تحاول أن تضغط بأقصى قوتها وترفع سقف مطالبها لتحصل في نهاية الأمر على نتائج تلبي الحد الأدنى على الأقل لمطالبها، فإسرائيل في الأساس تريد حزامًا أمنيًّا في الجنوب السوري، على غرار الحزام الأمني الذي كان موجودًا في لبنان بعد عام 1972، وتريد فصل بين الجبهتين اللبنانية والسورية، وهذا الاتفاق رغم التباسه إلَّا أنه يعطي فرصة للجيش السوري لكي يتماسك أكثر ويتفرغ لمعركة أساسية في محيط دمشق وأماكن أخرى، وهذا لا يرضي الكيان الصهيوني أيضًا.