إلا الحماقة أعيت من يداويها

عندما نتأمل واقع أمتنا اليوم نجد أن كل الحقائق التى كان ينبغى أن تصنع السياسة كذلك سلوك الناس غائبة تماما إلى حد الحاجة الماسة للتذكير بها من جديد، فإن الذكرى تنفع المؤمنين هذا إذا كانت الأمة لازالت تتمسك بالإسلام دينا وجامعا.

يقول لنا ربنا “وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون” فتتفرق أمتنا إلى مذاهب وشيع ثم دول متفرقة تتناحر كل يوم وكلما خرجت من محنة صنعت لها أخرى، فى الحد الأدنى من الوحدة والتنسيق انتصرنا على الأعداء، وفى الحد الأقصى من التفرق الذى وصلنا إليه ضعفنا وانحدرنا واستقرت شعوبنا فى القاع، سبعة جيوش انكسرت فى مواجهة إسرائيل فى 1948 فكانت النكبة الأولى التى كانت النتيجة الطبيعية لخيانات الحكام وضعف الإرادة قبل ضعف الجيوش عقيدة وتسليحا، هزمنا فى 1948 و1956 و1967 ويوم توفر الحد الأدنى من التضامن فى الأمة والتحالف والتساند بين الجيش الأول فى سوريا والثانى والثالث فى مصر انتصرنا، وكان بالإمكان أن تمضى انتصارتنا إلى منتهاها بتضامن وتضامن عربي وإسلامي أوسع، لكن جر السادات مصر إلى كامب ديفيد لم يضع فقط نهاية الحرب بيننا وبين الكيان الصهيونى بل أخرج مصر من دائرة الصراع والاستفراد بدولنا واحدة تلو الأخرى، ودفعها إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني على حساب الحق الفلسطينى والسوري واللبنانى، بل امتدت لاستنزاف أى قوى مؤهلة للصراع مع الصهاينة مثل العراق الذى ضرب مفاعله النووي فى 1980 وقبل أن يتهيأ للرد على العدوان على سيادته، تم جره إلى حرب مع الجارة المسلمة إيران، فى حرب امتدت لثماني سنوات لإنهاك الطرفين وعندما انتهت الحرب، وبدأت العراق فى استعادة عافيتها تم دفعها لغزو الكويت ليتم إعادتها الى القرون الوسطى عبر حرب كونية قادتها الولايات المتحدة الأمريكية، ودعمتها فيها دول عربية مسلمة ومنذ تلك اللحظة تعاظم الوجود الصهيوأمريكى فى الخليج، والذى جعل تنفيذ خطة بن جوريون قابلة للتحقق عبر استدعاء الى كل الأحقاد القبلية والمذهبية فى عالمنا، والتى لم يصهرها سوى الإسلام فى بوتقته.

كان العراق كالعادة الساحة المفضلة لهم، وودعنا العراق الموحد لتبدأ بعدها خطة إنهاء سوريا الموحدة وجيشها الأول فى المواجهة مع إسرائيل، واستخدم هذه المرة السلاح الذى خلقته أمريكا فى أفغانستان فى البداية ثم فى العراق فى سجن أبو غريب وبوكا عندما هيأت بمكر ولادة هذا السرطان: داعش، ولازلنا نعيش مشاهد صراعه مع الجميع فى خطة الإنهاك المفضلة لدى الأمريكان.
كل الأطراف فى عالمنا الإسلامى مشتبكة مع بعضها البعض، إما فى صراع مكشوف أو مكتوم عبر ما سمته رايس الفوضى الخلاقة. أى دارس للسياسة والتاريخ يدرك أن التناقضات الإقليمية بين الأقطاب الكبرى فى عالمنا وهمية ومفتعلة ومصنوعة، بينما هى بيننا جميعا وبين إسرائيل واضحة كشمس النهار.

ما هو التناقض فى المصالح بين إيران وتركيا ومصر والسعودية وما يجمعهم الإسلام والمصير المشترك والجغرافيا والتاريخ، متى نتوقف عن إنفاق الدماء والأموال فى حرب بعضنا بعضا.

هل احتلت إيران أراض مصرية أو تركية أو سعودية أو العكس، كل دولة من هؤلاء بحدودها المعروفة ولا توجد أى نزاعات حدودية بينهم وتبدو فرص التكامل والتعاون مدهشة بالنظر إلى تباين مواردهم وتعددها فأين الواقع من ذلك؟.

خطة أمريكا والكيان الصهيونى منذ البداية هى منع أي تحالفات أو تنسيق بين هذه القوى الكبرى فى الإقليم والتى لو توحدت سياساتها لتغير شكل المنطقة.

هل من أهداف هذه القوى تحرير فلسطين أم لا ؟
هل من أهدافها صيانة أمن ورفاه شعوبها أم لا ؟
هل يمر ذلك عبر التعاون مع الأعداء! أم الأشقاء والأصدقاء! هل يتصور عاقل أن الخطط التى تصنع لنا فى واشنطن وتل أبيب تتوخى مصالحنا أم إضعافنا وتركيعنا والقضاء علينا؟، ماذا بعد نزح خيرات المنطقة عبر عقود بأبخس الأسعار؟، ماذا بعد شراء الرضا الأمريكى بترليونات الدولارات التى كانت شعوبنا أولى بها.

خبرة قرن من الزمان تقول لنا أن أمريكا والكيان الصهيونى أعداء لا يكفون عن الكيد لنا ساعة من نهار، وأن الصراع بيننا لم يستفد منه أحد سواهم فهل نحن بحاجة إلى عقد جديد من الإنهاك والدماء لنكتشف ماهو أوضح من الشمس؟!.

أيها المسلمون أفيقوا قبل أن تصبحوا أثرا بعد عين، وحدتكم سر قوتكم. الجميع توحد ضدكم. الجميع ولازلتم تتمسكون بالمظلة الأمريكية التى تكاد تجردكم من ملابسكم، ولازلتم تتحدثون عن الحماية والدعم والرعاية الأمريكية. تبا.. لكم لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها!