أيها القابضون علي جمر الوطن.. اتركوه يحترق!

لم يعد الوطن ملاذاً، بل صار مرارة ومذلة للمحبين.

كل الصور من حولنا تدعو للرثاء، ويا ليتنا نقوي حتى علي البكاء.. فما عاد الدمع عزيزاً في عيون ضلت الطريق.

النجوم انطفأ بريقها في السماء.. فما فائدة البقاء إذاً إن كنا قد عرفنا أن أنواط البطولة ستُمنح جميعها للبلهاء؟!.

نعم.. سئمنا الحياة وسط الحمقي والضجيج، برأنا منها، فهي ملكاً لمن باعوا الشرف مقابل أن يظفروا بكنوز من الدخان.. فهنيئاً لهم ألف مرة، ولا عزاء لمن اشتري الكبرياء والضمير.

الايادي احترقت من فرط الإمساك بجمر المحبة دون جدوي.. فلا تطلبوا المزيد، ولا تلوموا من كفر بالوطن ورغب الرحيل.

لن أناديك بعدها بوطن العزة، ولن أتغني بحسنك أو افتديك.. بل سأقول كنت مخدوعاً، واليوم فقط أدركت أنني عشقت إمرأة أوصدت قلبها بمفتاح صدئ، وألقت به في عهدة سجان صفيق.

هي بيوتهم وليست بيوتنا.. هي شوارعهم وليست شوارعنا.. هي سماءهم وليست سماءنا.. كل شئ كنا نظنه إرثاً لنا، صار في غفلة ملكاً لمن يحملون رايات النفاق والكذب والتدليس.

ما خطبنا..

هل كنا نحلم بأن يكون لنا حق تقرير المصير؟ هل كنا نحلم بوطن للجميع؟ هل كنا نريد أن يتساوي السادة بالعبيد؟.. كيف لنا أن نصدق نزقنا، كيف لأحلامنا أن تعلو إلى هذا الحد المخيف، كيف سنسامح أنفسنا وقد أثرنا ضيق مُلاك الوطن وكنا في الأحلام مسرفين.

لسنا نبلاء بل حقاً نحن أغبياء.. كان علينا أن نرضي مذلولين بقسمة الكبير والصغير.. فلو شاء الله لخلقنا أحراراً مثلهم، فما استعبدونا ولكن يبدو أننا خُلقنا علي الفطرة لنكون خدماً لهم طائعين.

قالوا مراراً إن رفضتم قوانينا فعليكم بالرحيل.. استهزأنا وقتها ورددنا بأننا نصر علي البقاء، فهي أرض أجدادنا ولنا فيها حق سننتزعه أياً كان المصير.. ولكن، ها نحن نحزم الأمتعة استعداداً للرحيل، ها نحن نعترف بالذنب ونطلب الصفح منهم، فليتركوننا نلحق في هدوء بصفوف المغادرين.

هي صدقاً بلادهم، فلا تجادلوهم فيما يجب أن يفعلوا وما يجب أن يتركوا، فهم أعلم منكم باحتياج الوطن وأقرب منكم إلي شكوي الفقير.

هذا زمن كل آفاق وكل متلاعب وكل متاجر بشعارات الكرامة والوطنية، فلا تقسو علي من رضي بالهوان وسجد خانعاً لإله العبيد.. هو إلههم وحدهم، صنمهم وحدهم، لا يقوي علي الحركة والكلام إلا بأوامر من شيطان يسكن في بيت نائي وبعيد.. فإعبدوه كيفما شئتم، ولكن لا تطلبوا منا أن نرضخ لشيطانكم وما تعبدون.

يا من ناديتم بإعلاء كلمة الحق، ويا من طالبتم بالحرية والعدالة، ويا من ظننتم بأن الأخلاق هي ما يجب أن تبقي وتسود.. سحقاً لخيالاتكم وأوهامكم وأفكاركم المريضة، فهذا وطن لا يحنو إلا علي المفسدين، فإما أن تؤدوا مثل الجميع رقصة التعري راضين، أو تعتزلوا الحياة وتموتوا كمداً في صمت، ولن يسير في جنازاتكم أحد، واعلموا أن في الجنة رزقكم وما توعدون.

نصيحتي إليكم يا سادة.. لا تبحثوا عن الحقائق فهي لن تفيد، ولا تنتظروا العدالة فهي ليست عمياء، ولا تحتموا بحضن الوطن يوماً، فالوطن من الآن أصبح مرتعاً للحمقي والمضللين، وسيظل هكذا دون أمل في الإصلاح وحتي أمد بعيد.