أسود باب الأسباط: حكاية من أسوار القدس

تحتشد الجماهير عند باب الأسباط في معركة الإباء والكرامة رافضين الخنوع والدخول للصلاة في المسجد الأقصى عبر بوابات الاحتلال الالكترونية، تلك البوابات المذلة التي يراد لها أن تصبح أمرا واقعا فتؤسس لمرحلة تقسيم القدس زمانياً ومكانيا.

هذه الجموع الباسلة والمنتفضة اليوم عند باب الأسباط بإصرارها على الصلاة على الإسفلت ولا الدخول عبر هذه البوابات تشكل الدرع الحقيقي لحماية القدس وصون كرامته والذود عنه وصح فيهم القول: قم اليوم للقدس وحيي من فيها .. إن القدس أسود الله تحميها.

ويزيد من فخرنا بهؤلاء الأسود وبما يصنعوه من مفخرة الثبات والتعاطف عند أسوار القدس وعلى بواباتها حين نرى أهل القدس وسكان باب الأسباط يوزعون المأكل والمشرب على المرابطين عند باب الأسود حتى إزالة هذه البوابات المذلة.

واللطيف بأن باب الأسباط حيثُ يحتشد الأحرار يسمى أيضا باب الأسود، ومرد ذلك للنقشٌ الجميل الذي يحمل صورة أربعة أسود يتقابل كل اثنان منهما عند مدخل باب الأسباط خارج السور، ويسمى أيضاً باب الروحة (باب أريحا)؛ لأن الخروج من هذا الباب يقودك إلى طريق أريحا.

ويُطلق عليه المسيحيون اسم “بوابة القديس ستيفن” بسبب الاعتقاد بأن قبر القديس ستيفن أول شهيد مسيحي تمّ رجمه في وادي قدرون بالقرب من الباب، كما يطلق عليه الأقباط أيضاً اسم “باب السيدة مريم” لاعتقادهم بأن مريم العذراء عليها السلام، وُلدت في منزل مجاور للبوابة.

ويتسم هذا الباب بكونه كبير الحجم يعلوه بُرجٌ ثلاثي الأطراف وعلى جانبيه محرابان يعلوهما قوسان صغيران مدببان. ويُعدّ مدخل باب الأسباط نموذجاً للعمارة العسكرية، لاحتواء الجدار الغربي على دهاليز متعرجة تؤدي إلى عرقلة حركة تقدّم العدو، وفي فترة الانتداب البريطاني على فلسطين تمّ إزالة الجدار الغربي للمدخل، مما يسمح للدخول مباشرة دون الانعطاف شمالاً ويمينا، كما يوجد على الواجهة الأمامية للباب خمسة شقوق كانت تُستخدم لرماة الأسهم لأغراض المراقبة والرماية وردع الأعداء.

وعلى مدخل الباب قوس كبيرة نقش عليها كتابه باللغتين العربية والتركية تبين مرمم هذا الباب وهو السلطان سليمان القانوني والقائم على الترميم وهو الحاج حسن آغا، ويغطي فتحة مدخل الباب مصراعان من الخشب المصفح بالبرونز، ويقوم فوقه برج حجري صغير محمول على أربعة كوابل حجرية، وله سقاطة لصب الزيت المغلي على الأعداء ومزغل لرمي السهام.

ويُعتبر هذا الباب مدخلا رئيسيا للمُصلّين وخاصةً القادمين من خارج القدس، حيث تدخل الحافلات القادمة من خارج المدينة إلى ساحة مفتوحة بين البابين تصلح لوقوف السيارات تدعى بساحة الغزالي.

وعن أسود باب الأسباط التي لا تزال رابضة هناك مانحة الباب اسمها فقد قيل بأن هذه الأسود هي شعار الملك الظاهر بيبرس رحمه الله، وقد نُقشت على جسوره وقصوره وقلاعه في فلسطين ومصر وبلاد الشام.

واللافت بأن نقوش الأسود تظهر القوة وخفة الحركة، وخاصة في تعابير الوجه والكفوف والذيول وهو معبر عن القوة وشعار لها.. وقد قيل إنما رمز هذا الشعار للسيطرة على الجهات الأربعة وما بينهما، وغلبة السلطان الشجاع الظاهر بيبرس.

وتختلف المصادر في ذكر منشأ هذه الأسود وحضورها على سور القدس، ومن أين أُتي بها وسبب ذلك، وإن كان الاتفاق على أنها شعار للملك الظاهر بيبرس رحمه الله.

ولعل أطرف ما روي عن قصتها تلك الحكاية الشعبية المنسوبة للسلطان سليم الأول العثماني.. حيث زَعموا أنه رأى وهو في القدس لما زارها سنة ١٥١٧ م مناماً كان فيه أسودٌ تُلاحقه وتُحاول افتراسه. ولما سأل مفسري زمانه عن حُلُمه أرشدوه لشيخٍ عارفٍ في القدس وسأله عن تأويل المنام، فقال له الشيخ لما علم بأن السلطان كان ينوي أخذ ضرائب باهظة من أهل القدس: (هذا تحذير من الله لك، لأن القدس دار الأنبياء والأولياء والصُلحاء).

وبحسب الحكاية عَدل السلطان عن قرار وأمر ببناء سور القدس، السور الذي بناه ولده سليمان القانوني واستغرق عدة سنوات (1536-1539).

وزعموا أن هذه الأسود جُلبت من خان كان السلطان الظاهر بيبرس قد بناه في عهده بالقرب من باب العمود، فخرب مع الزمن وتهدم. فأحضرت هذه الأسود منه وزرعت على هذا الباب تذكيراً برؤيا السلطان سليم الأول.

ولعل من الصحيح نسبها للسلطان الظاهر بيبرس رحمه الله، وبأنها كانت شعاراً على أحد أبنيته التي شادها في زمانه في القدس أو في غيرها، وبأن بُناة السور في عهد السلطان سليمان القانوني استحسنوا وضعها في هذا الموضع والله أعلم.

وليس ما يهمنا هنا حكاية الأسود الأربعة بقدر ما يهمنا أنه شعارٌ صدق الوصف لأهل تلك المَحِلة وسكان الحي الذي عند الباب . والحق أن صمودهم ورباطهم وجودهم وكرمهم كفيل بأن يجعل المحلة والباب منسوبة للأسود . فأنعم بالقدس وبأسودها وأبوابها ومرابطيها .