وحَّدوا الأحزاب.. وارفضوا استقالة النواب

انت عايز تغيَّر، ولا عايز تصرَّخ؟

التغيير له طريقان: إما بالثورة، وإما بالسياسة، وكل منهما له ظرفه الذاتي والموضوعي، ولكل منهما أدواته وحساباته، ولا شيء منهما يُطلب لذاته، بل تفرضه الظروف، والأهم من الخلاف حول أيهما أفضل الآن، يجب علينا أن نعكف طول الوقت على أن تكتمل الشروط الموائمة للعمل في كل اتجاه، بقوانين وحسابات كل اتجاه، ومراكمة الخبرات وتعلم الدروس.

الصراخ أسهل وربما يكون ثمنه أفدح، والتغيير طريقه أصعب، وأشق وأطول، ويحتاج إلى ثوار حقيقيين، وفكر ثوري حقيقي، لا رطان زاعق يضيع في الهواء لا أرض له ولا حصاد.

على مدار السنوات الست السابقة لم نحرز تراكماً معرفياً يستوعب الخبرات التي تراكمت، ويستخلص الدروس المستفادة، وأولها وأهمها أن 25 يناير غير قابلة للتكرار بنفس سيناريوهاتها السابقة.

بيننا وبين يناير جديد الكثير من العمل الدؤوب، والجهد المنظم، وتعظيم قدراتنا على الانغماس في أوساط الناس، غضب المواطنين من السياسات القائمة لا يكفي وحده لإحداث ثورة جديدة، التغيير مطلب جماهيري حقيقي ومحق وواضح وضوح الشمس ولكنها لا تزال تخشى من تغيير غير محسوب العواقب وقد ذاقت الأمرين من التغيير الذي جرى أولاً في يناير وثانياً في يونيو.

ردود الأفعال الغاضبة أسهل ألف مرة من الأفعال الجادة الواعية المتفهمة للظروف العامة الموضوعية والظرف الذاتي الخاص بالقوى الراغبة والساعية إلى التغيير المنشود.

لا التغيير ولا الثورات تقوم بأزرار، ما كنش حد غلب، وكنا خلصنا من زمان، الميادين موجودة ولن تبرح مكانها، ولكن وقت نزولها له حساباته، حتى لا يكون النزول قفزاً في الهواء، أو قفزاً إلى المجهول.

نحن في حاجة ماسة الى روحية ومنهجية ثورة يناير لكي نستعيد وحدة القوى الساعية إلى التغيير، والخروج من مأزق التشرذم والانقسام والتشظي على خلافات سطحية لا تغني ولا تسمن من تغيير مطلوب.

ونحن في حاجة إلى التوافق على جدول أعمال وطني عام جامع يجمع بين أهداف يناير ويونيو، عيش، حرية، عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية، ودولة مدنية دستورية، دولة لكل مواطنيها، بدون تمييز.

ثورية البعض، قد تؤخر يوم الثورة بأكثر مما تؤخرها إصلاحية البعض الآخر.

وكثير من الشباب الثوري أوصلتهم ثوريتهم تلك إلى اليأس، وآخرين قادتهم ثوريتهم إلى السخط على كل شيء بما فيها الشعب نفسه، ويعض هؤلاء يسأل نفسه في بعض الأوقات هل هذا الشعب يستأهل كل هذه التضحيات التي دفعت من أجل اصلاح أحواله، سمعتها وقرأتها من كثيرين.!

تعالوا نتفق على أن السياسي مقدمٌ اليوم على الثوري بحكم الظروف، وبدلاً من أن يصر البعض على رفع شعار اسقاط النظام فلا يجد من يسانده في الواقع، هذا الشعار الذي يبدو ثورياً واحتجاجياً يليق بالحدث، ولكنه لا يزيد رافعيه غير مزيد من الانعزال عن الواقع والابتعاد عن الناس وعن مواجعهم وأوجاعهم وتطلعاتهم.

تعالوا نتفق على توحيد الأحزاب في حزب واحد أو تنظيم سياسي واحد، بدلاً من الدعوة إلى تجميد نشاط كل الأحزاب التي تعارض اتفاقية تيران وصنافير، تلك الدعوة التي يتبناها البعض، من دون أن يدركوا أنهم ربما بدعوتهم هذه يحققون للنظام بعضاً من أمانيه.

ملايين الناس تريد التغيير وتتمناه، اليوم قبل الغد، ولكنها في أغلبيتها تخشى الفوضى وقد عانت منها، وتخشى القفز إلى المجهول وقد وجدت نفسها أمامه، وهؤلاء لا تجمعهم دعوة لإسقاط النظام، ولا تؤثر فيهم الدعوة إلى استقالة النواب الذين رفضوا اتفاقية العار.

بدلاً من مطالبة نواب تكتل 25/30 بالاستقالة كونوا الظهير السياسي لهم، واجعلوهم الظهير البرلماني لكم.

الاستقالة في مثل أحوالنا الراهنة هي خروج من الفعل، والركون إلى الرطان الحماسي الذي لا يفيد، ولا يزيد، بل دائماً ما ينقص، ويفرق، ولا يجمع، ويشتت الجهود، ولا يوحدها.

الساحة لم تعد قابلة لاستمرار تلك الهياكل الحزبية المولودة بعيوب خلقية لا تسمح لها بالانتشار والنماء والتأثير في أوساط الجماهير، شبعنا من تلك الأحزاب التي لا تعبر إلا عن أعضائها محدودي العدد وعديمي التأثير.

شبعنا من تلك الأحزاب التي تقوم حول شخص أو أفكار تجير لمصلحة الشخص ولأهدافه السياسية المرحلية.

وحِّدوا الصفوف كلها في إطار سياسي تنظيمي يوحد جهود كل الأحزاب والقوى السياسية، وبدلاً من أن تقولوا للنواب استقيلوا يرحمكم الله، اطلبوا منهم ومن غيرهم ممن يوافق على الانضمام إليهم أن يشكلوا بتواجدهم تحت قبة المجلس النيابي هيئة برلمانية للتكتل السياسي الجديد، أو التجمع الوطني الفاعل على الأرض وبين الناس.

نحن في حاجة إلى حزب جديد، أو تنظيم سياسي جديد، يجمع كل أحزاب ثورة يناير، وقواها الفاعلة، على أساس الانتماء لثورة يناير والانحياز إلى أهدافها، والعمل على تحقيقها، وأن يكون الهدف من تأسيس الحزب (التنظيم السياسي العام) هو إبقاء قضية الأرض المصرية ووحدة الإقليم المصري غير القابل للتجزئة، حية في عقول وقلوب المواطنين، وأن تكون مهمته الأولى بالرعاية هي الدفاع عن الدستور والقانون والديمقراطية وحقوق الغلابة الذين يزدادون كل يوم فقراً فوق فقرهم..

هي على الحقيقة دعوة لتأسيس “التجمع الوطني للدفاع عن الأرض والدستور والعدالة الاجتماعية”.

وليكن أول فعل حقيقي لهذا التجمع هو حشد الجهود وراء إطلاق الحملة الوطنية للمرشح الرئاسي القادر على منافسة الرئيس السيسي الذي أثبتت سنوات حكمه فشله في تحقيق ما وعد به، وأهدر الدستور والقانون ولم يحافظ على وحدة وسلامة الأراضي المصرية.

وساعتها سيكون هناك دور كبير للنواب داخل البرلمان أقله توفير الغطاء القانوني والدستوري المطلوب لترشيح من تجمع عليه كلمة القوى السياسية المدنية.

توحدوا أو انفضوا يرحمكم الله ويرحمنا منكم وممن تعارضونهم في وقت واحد.