وانت أبوك بيشتغل إيه؟

ما زلنا في أجواء رمضان، نستظل بها بعيداً عن صخب الحياة السياسية، وتقلباتها المحزنة، وقضاياها الساخنة، ومفاجآتها المدوية، ومن أشد ما يلتصق برمضان عندي هذا الشريط الطويل من الذكريات التي تمتد على طول العمر، وحين شرعت في كتابة هذا المقال طفا على سطح الذاكرة ما جرى لنا ونحن ما نزال تلاميذ في المرحلة الإعدادية.

كان أول ما يفعله المدرسون الجدد أن يتعرفوا علينا بالأسماء وبمهنة الوالد أو صنعته، المدرسة هي الأورمان الإعدادية النموذجية، ولا زلت أفخر أن شعار مدرستي الذي لا يزال مكتوباً على مدخلها الرئيسي هو: الأورمان صانعة الأبطال، وقصة سؤال المدرسين عن عمل آبائنا استحدثت بعد حادثة خطيرة جرت وقائعها في الفصل وكان من نتيجتها أن سُنت هذه السُنة التي كانت ثقيلة على بعضٍ من زملائنا.

تغيب مدرس الحصة، وهي من المرات النادرة، فانتدب مدرس الموسيقى ليشغل وقت الحصة بما يستطيع، وكان أن اقترح أن يلقي علينا فزوره، وأن يفعل ذلك من يستطيع من التلاميذ، ولم يمر وقت طويل حتى سأل المدرس عمن يستطيع أن يذكر لنا نكتة جديدة، وتبادل الزملاء إلقاء النكات الطفولية، وحين جاء الدور على زميل كان معروفاً بيننا بطولة اللسان، تكلم بجرأة غير معهودة، وذكر نكتة ساخنة جداً، وبألفاظ أكاد أجزم أن كثيراً منا لم يكن قد سمعها من قبل، وانفجر ضحكنا الطفولي، وأحس الأستاذ أن التلميذ تجاوز في طريقة التعامل معه، ولم يراع وجوده، وتفوه بألفاظ خارجة، والحق أن أغلبيتنا استاءت من تعبيرات زميلنا الطالب الجريء أو المتجرئ، ولكنا ضحكنا، وقرر الأستاذ على الفور معاقبة التلميذ، وتوجه إليه يحمل مسطرة خشبية كبيرة، وقبل أن يصل إلى موقعه في الدكة الأخيرة من الصف الأخير في الفصل كان التلميذ قد سارع بالخروج قفزاً من الشباك القريب منه.

لم تكن النكتة جارحة وبذيئة فقط، ولكنها كانت سياسية تتناول زيارة الرئيس جمال عبد الناصر إلى الاتحاد السوفيتي، وبعبرات بذيئة كان النكتة تقول أن الرئيس ذهب إلى الروس ولم يحصل منهم على شيء ذي بال، فتوجه الأستاذ إلى ناظر المدرسة وهناك عرف أن الطالب صاحب الواقعة المشينة هو فلان ابن وكيل وزارة التعليم، وقد أصبح فيما بعد وزيراً للتعليم، أصر الأستاذ والناظر على معاقبة التلميذ، وتم فصله لمدة أسبوع، أو هكذا قيل لنا، وفعلاً لم يحضر زميلنا إلا بعد مرور الأيام الست، وصارت سُنة أن يبدأ المدرس الجديد تعارفه علينا بسؤال عن صنعة آبائنا.

ولا زلت أذكر أن واحداً منا ربما كان أقصرنا طولاً في الفصل، وأخيبنا في مستواه الدراسي، وكان حين يأتي عليه الدور يقول وهو جالس في مكانه: بابا من ذوي الأملاك، كانت الكلمة كبيرة على عمرنا في ذلك الوقت، ولكنه كان يكررها على مسامعنا بتعالي طفولي كنا نستقبله بالهذأ منه والتريفة على كل ما يقول.

وكان من حظي أن واحداً ممن تزاملنا معاً في جريدة العربي كان زميل تلك المرحلة الدراسية، وقد كانت إجابته على سؤال المدرسين عن صنعة أبيه تستغرق وقتا طويلاً، تصوروا تلميذاً صبياً لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره وهو يقول إن أباه يعمل مديرا لمكتب اتصالات في الهيئة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية بوزارة النقل، أو شيئاً من هذا القبيل.

أجدني اليوم أعرف من مشاهير المجتمع الكثير من زملاء هذا الفصل في مدرسة الأورمان الإعدادية النموذجية، منهم نبيل علي ماهر الموسيقي الشهير، ومنهم ماهر القبلاوي الدكتور وأخصائي العلاج الطبيعي الشهير ونقيب أخصائي العلاج الطبيعي، وأذكر أننا كنا نسميه ماهر شجاعة، فقد كان يقرأ بطلب من مدرس اللغة العربية قصيدة مقررة علينا بعنوان شجاعة، للشاعر قطري بن الفجاءة، وكان يقول فيها:

أقول لها وقد طارت شعاعا من الأبطال: ويحك لن تراعي

فإنك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لن تطاعي

فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع

ولا ثـوب البقاء بثوب عـز فيطوى عن أخي الخنع اليراع

سبيل الموت غاية كل حيّ فـداعيـه لأهل الأرض داع

ومن لا يعتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون إلى انقطاع

وما للمرء خير في حياة إذا ما عـُدَّ من سقط المتاع

وما أن يبدأ ماهر بقراءة العنوان حتى يبادر الأستاذ في الحديث عن موضوع القصيدة، ويسكت للحظة فيعلو صوت زميلنا ماهر مرة أخرى بالعنوان: “شجاعة”، وقبل أن يواصل يتكلم المدرس من جديد حول الشاعر وما له من أشعار أخرى، وتكرر ذلك ثلاث مرات، ومن يومها سميناه: ماهر شجاعة.

كنا مجموعات شتى من حيث الوضع الطبقي، تبدأ بمستوري الحال، كحالتنا والقليل من زملائنا، وتنتهي عند طبقة كبار الأغنياء في ذلك الوقت نهاية عقد الستينيات من القرن الماضي، وكان أغنياء ذلك الزمان هم من يركبون سيارات نصر، ويعيشون في فلل متواضعة بأحياء كانت راقية مثل المهندسين والدقي والعجوزة.

وكنت وسط إجابات متعددة من زملاء الفصل عن صنعة الأب، أكتفي بالقول: والدي متوفي، وأجلس دون أن يطرف لي جفن.