من ينصر الفلسطيني من واقعه؟

أدى تفاقم الخلافات ما بين حركتي حماس وفتح، على إثر فوز حماس في الانتخابات التشريعية في مطلع العام 2006 إلى تفجر واندلاع النزاع الداخلي المسلح بين الحركتين في قطاع غزة، والذي حسمته حماس بالقوة لتسيطر على غزة فارضة نفسها سلطة أمر واقع بتاريخ 14 يونيو 2007، وقد أفضت أحداث الاقتتال الداخلي وما تلاها من نتائج على الأرض إلى تكريس حالة الانقسام ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أظهرت ممارسات طرفي النزاع مدى هشاشة وضعف القناعات بمبدأ سيادة القانون وقيم حقوق الإنسان وحرياته ومبادىء الديمقراطية وقيم التعددية السياسية والفكرية والثقافية وبمبدأ التداول السلمي على السلطة.

لم يقف الأمر عند ذلك الحد بل ازداد الوضع سوءً لتجري مأسسة الانتهاكات على الحقوق والحريات من كلا الطرفين، وبات واضحًا أن الانتهاكات والمخالفات المرتكبة ليست مجرد نتاج لحالة من الفوضى والجهل بالقانون وعدم الكفاءة أو جراء مخالفات فردية معزولة، بقدر ما هي سياسة تجري بغطاء أو تغاضي من قبل صناع القرار في كلا الطرفين.

لقد نص القانون الأساسي الفلسطيني على ضمان حرية الفرد وحمايته من الاعتقال التعسفي، وذلك في المواد (10، 11، 12، 13)، والتي نصت على ضمان الحرية الشخصية والحماية من الاعتقال التعسفي وكذلك حقوق المحتجزين.

كما أكدت المواثيق الدولية بدورها على حماية الفرد من الاعتقال التعسفي وضمان حريته، حيث نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (3) على أنه: “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه”. كذلك نصت المادة (9) على أنه: “لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفًا”.

أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فقد نص في المادة التاسعة منه على أنه: “لا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفًا، ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقًا للإجراء المقرر فيه”. (مادة 9 فقرة 1). كذلك فإنه: “لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله. وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني (مادة 9 ، فقرة 4). ولكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض (مادة 9 ، فقرة 5).

كما نصت مجموعة المبادىء بشأن حماية كافة الأشخاص الخاضعين لأي شكل من أشكال الاعتقال (1988)، والتي تتكون من 29 مبدأ على أن: “يعامل جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن معاملة إنسانية وباحترام لكرامة الشخص الإنسان الأصيلة” (مبدأ 1). وأنه : “لا يجوز إلقاء القبض أو الاحتجاز أو السجن إلا مع التقيد الصارم بأحكام القانون وعلى يد موظفين مختصين أو أشخاص مرخص لهم بذلك” (مبدأ 2). كما نصت على أنه: “لا يجوز إخضاع أي شخص يتعرض لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية، ولا يجوز الاحتجاج بأي ظرف كان كمبرر للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية” (مبدأ 6).

وقد تبنت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان مجموعة من التدابير لحماية الإنسان من التعرض للتعذيب أو المعاملة القاسية أو الحاطة بالكرامة الإنسانية. ومن أهم تلك التدابير: “لا يجوز إخضاع أي شخص يتعرض لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية، ولا يجوز الاحتجاج بأي ظرف كان كمبرر للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية أو المهينة”.

فيما عرفت اتفاقية مناهضة التعذيب بكونه: “كل عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديًا أم عقليًا، يلحق عمدًا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعترف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتبكه، هو أو شخص ثالث، أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث – أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية، ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشىء فقط من عقوبات قانونية أو الملازم لهذا العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها” (اتفاقية مناهضة التعذيب 1984).

في حين جاء في تقرير لجنة مناهضة التعذيب حول استخدام الضرب والعنف: “إن استخدام قدرًا معتدلاً من الضغط البدني واعتباره طريقة مشروعة لاستجواب المحتجزين أمر غير مقبول كليًا” حيث اعتبرت اللجنة أنه يعد من ضروب التعذيب: “تقييد حركة الشخص في أوضاع مؤلمة، وتغميض عينيه، وتعريضه لموسيقى صاخبة لفترة طويلة، وحرمانه من النوم لفترة طويلة، وتهديده، بما في ذلك التهديد بالقتل، والهز العنيف، والتعريض للتيارات الهوائية الباردة، كما يعتبر التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم وفقًا لأحكام القانون الدولي.

بدوره شدد القانون الأساسي الفلسطيني على حرمة التعذيب، حيث تنص المادة (13) فقرة 1 على أنه: “لا يجوز اخضاع أحد لأي اكراه أو تعذيب، ويعامل المتهمون وسائر المحرومين من حرياتهم معاملة لائقة”، في حين تنص الفقرة 2 على أنه: “يقع باطلاً كل قول أو اعتراف صدر بالمخالفة لأحكام الفقرة الأولى من هذه المادة”، إضافة لكون المادة (10) فقرة 1 من القانون الأساسي الفلسطيني تنص على أن “حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام”.

كما وتؤكد المادة (32) من القانون الأساسي على أن: “كل اعتداء على أي من الحريات الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للإنسان وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها القانون الأساسي أو القانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتضمن السلطة الوطنية تعويضًا عادلاً لمن وضع عليه الضرر”.

وتشير المادة (29) من قانون الإجراءات الجزائية على أنه: “لا يجوز القبض على أحد إلا بأمر من الجهة المختصة بذلك قانونًا. كما يجب معاملته بما يحفظ كرامته، ولا يجوز إيذاءه بدنيًا أو معنويًا”.

لذلك فإن على الحكومة المقالة إدراك أنها تتحمل المسئولية القانونية والجنائية والمدنية والأخلاقية تجاه ما ارتكب من تعذيب مهما تقادم الزمن، ولذلك عليها الوقوف بجدية أمام التعذيب في قطاع غزة والضفة الغربية على حد سواء، على اعتبار أن التعذيب جريمة محرمة تحت أي طرف أو حالة.

إن خطورة تلك الأحداث التي ما زالت تتدحرج ككرة ثلج على المسرح الفلسطيني، وانعكاساتها السلبية على الحقوق والحريات، وعلى حق الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال في تقرير مصيره، تقتضي ضرورة انتباه مختلف الجهات الفلسطينية الرسمية والحزبية لخطورة الأوضاع الجارية ووجوب تحمل الحزبين الحاكمين لمسؤولياتهما القانونية في السيطرة على الأجهزة الأمنية، ووقف التحريض والتعبئة ضد بعضهما البعض، ووقف تبادل الاتهامات والعودة للاحتكام للقانون ولغة الحوار من أجل إنهاء حالة الانقسام والعودة للاحتكام لقيم ومبادىء الديمقراطية.

ناهيك عن حالة التمزق الاجتماعي التي تجتاح المجتمع الفلسطيني، بسبب الانقسام السياسي. إن مشاعر العداء والنقمة تكون خطيرة في مجتمع تغلب عليه العائلية والعشائرية، وهما الوتر الذي تم التلاعب به بسبب حالة الانقسام والنزاع، وهو ما يعد لعبًا بالنار.

إن عملية استخدام القانون استخدامًا تعسفيًا وتفسيره تقسيرًا سياسيًا أمنيًا، وانتقائيًا، أدى لتطبيق القانون بطريقة انتقائية، مما أثر على حقوق المواطنين، وهو ما يشير لعملية تمييز ترتكب بحق المواطنين في كلا الجهتين، وعليه فإن استمرار انتهاك الحقوق والحريات التي نصت عليها القوانين الفلسطينية المختلفة وأهمها حق الإنسان في حفظ كرامته وحريته واحترام حقوقه، وجعل مثل هذه الحقوق رهينة الخلافات السياسية، بل والتمييز ما بين المواطنين بناء على انتمائهم السياسي؛ كل ذلك يعمق القلق من تدهور الأوضاع أكثر فأكثر، وأن تصبح السلطة مجرد سلطة بوليسية لا غير.