لن نفرط

(1)
لا تجعل الصبر يخدعك، فتحت الرماد غضب الحليم/ لا تجعل الصمت يخدعك، فصرخة الحق ستشق عما قريب خيمة السكون/ لا تجعل المنافق يخدعك، فصلاته للسلطان وليس للرحمن

لا تجعل الإعلام يخدعك.. سينقلب سريعًا لو تغيرت الموازين/ لا تجعل السلطة تخدعك، فأنت الشعب مصدر السلطات.. ومصدر اليقين

(2)

قبل أن تستهين بحال مصر، وإرادة شعبها «الفقير أوي» توقف قليلًا واسأل نفسك:

كم دولة فى العالم لها تاريخ مصر؟ كم دولة في العالم لم تتغير حدودها عبر الآف السنين رغم كثرة الغزاة والمستعمرين؟ كم دولة في العالم لها حضارة مصر وموقعها؟ مصر العريقة، عرفت عصور الانحطاط والازدهار، التفوق والتبعية، الاستغناء والحاجة، الثراء والفقر.. صبرنا على المحن وحولناها إلى منح، وعلى مدى التاريخ ظلت أرض مصر يرويها الدم الحر، لتحفظ معنى الشرف، وقيمة الاستقلال، ومعيار الإخلاص والوطنية.

(3)

كيف يتلاعب الشيطان بعقولنا؟ من أين يأتيه العزم علينا؟ وكيف ننصاع لأوامره؟ الحقيقة أننا نسلمه قيادنا حين يعمينا السراب عن الواقع، وحين نصدق وعده بتحقيق الأمنيات.. قد يبهرك الشيطان في البداية بقدرته على تحقيق ما تتمناه، وعندما تستسلم لغوايته ينقلب عليك.. يصبح سيدك.. يملي عليك شروطه، ويأخذك إلى الهاوية.. لذلك على كل عاقل أن يختار: إما طريق السلامة وإما طريق الندامة.. لو اخترت طريق الشيطان وصدقت وعوده، عليك أن تعرف أنك ستخلع رداء الحق والتقوى ولباس الصدق والأمانة، وكلما حقق لك أمنية كلما ازددت عريًا حتى تسقط آخر ورقة توت وتخسر كل شيء.. لحظة تحقق الأمنيات تصبح نفسها لحظة الندم والخجل واليأس والفضيحة والنهاية.

(4)

فقر مصر ليس قدرها كما حاول حكامها أن يقنعونا، فقر مصر دليل على فشل الحكام في القيادة والإدارة.. التشبث بالسلطة وتأمينها يصبح غايتهم وليس التفكير في قيادة أمة إلى خلاصها بأيديها وليس بالاعتماد على المنح والمساعدات، إذ كيف تكون مصر فقيرة وكل هؤلاء يثرون على حسابها وتمتلىء خزائنهم بالمال الحرام. بيع حاضر الشعب ومستقبله يصبح وسيلتهم لجلب الأموال سريعًا والخروج من الأزمات العاجلة ليذهبوا بنا إلى الكوارث الآجلة.

(5)

رغم بساطة هذا الشعب وعوزه، إلَّا أن الجينات التي يحملها نتيجة التراكم الحضاري والثقافي تمنحه حكمة عميقة وخبرة ثاقبة بالحياة وأحوال الناس، وهما يجعلاه قادر على معرفة الغث من السمين، الصادق من المدعي، العدو من الصديق، وخير دليل على ذلك، موقف عموم المصريين من إسرائيل، فهم مازالوا يعتبرونها العدو الأول لهم ولا يثقون بها أبدًا، رغم محاولات الحكومات المتتالية وعرابي التطبيع من كتاب ومفكرين إقناع الشعب المصري بأن هناك سلامًا دافئًا مع العدو قاتل أجدادنا وأولادنا.. فالوجدان الشعبي يؤكد أن إسرائيل دائمًا هي مصدر الخطر على الأمن والأرض والحياة الكريمة.

(6)

الحروب لا تبيد الشعوب ولا تكسر إرادتها، الحروب فصل من فصول التاريخ، المنتصر يكتب معاهدة السلام، يجمع غنائم الحرب ويذهب، لتبقى الشعوب وحدها تضمد جراحها وتعالج أوجاعها، وتستعد لفصل آخر من فصول الحياة، ليس هناك ربيع دائم ولا شتاء أبدي، وكل ليل بعده فجر يلوح بالأمل.. الحرب لا تكسر إراداة الشعوب ولا عزيمتها، ولكن ما يكسر الشعوب ويذلها هو بيع تاريخها مقابل مكاسب مادية زائلة، والتدليس عليها لتقتنع بأن نزع الجذور مثل كسر الفروع، وأن أرض الوطن مثل باقي السلع تقيم وفق العرض والطلب.

(7)

التنازل عن تيران وصنافير حتى بحسابات البرجماتيين، الذين لا يؤمنون بحرمة الوطن وقداسة أرضه، صفقة خاسرة؛ لأن أموال السماسرة لن تكون سوى وعد شيطاني، يعرينا من كرامتنا ولن يساعدنا على الوفاء بكذبة «الإصلاح الجريء»، ولنا في «كامب ديفيد» عبرة حزينة، هل تحسنت حياة المصريين من جرائها؟ هل تحولت مصر إلى أرض اللبن والعسل؟ مصر التي تنازلت عن عروبتها ومكانتها الإقليمية لم تحصل من «السلام الصهيوني» إلَّا على انفتاح سداح مداح، واختلال في توزيع الثروات التي تكدست فى أرصدة اللصوص، بينما مستوى حياة المصريين ينهار: التعليم، الصحة، مياه الشرب، النظافة، المرور.. وكل شيء، حتى جاهرت السلطة نفسها بالحديث عن انهيار الدولة.. عن وصولنا إلى حالة الأشلاء، فهل التنازل عن تيران وصنافير سيصلح كل هذا الانهيار؟ أم أنه استمرار للصفقات الشيطانية التي ستجعل حياة مصر أكثر سوءًا وأقل كرامة؟

(8 )

أنا لا أخاطب في مقالي هذ الرئيس، ولا أعضاء مجلس النواب، ولا أي مسؤول، ولا أناقش مصرية تيران وصنافير، فهي قضية مقطوع بها بحكم قضائي مانع للجدل، ولكنني أخاطب الناس.. أخاطبكم يا أصحاب الحق.. فأنتم قادرون على وقف أي عدوان ضد حقوقكم وحقوق بلدكم.. قادرون على عدم التفريط، فنحن لن نفرط في أي حق من حقوقنا التي كفلها الدستور، لن نفرط في سيادتنا، وفي أرضنا، وفي مكانتنا، وفي حريتنا.. إن القضية ليست في تيران وصنافير فقط، لكنها في كل حقوقنا، و #لن_نفرط

HOTMAIL.COM@EKTEBLY