لالة فاطمة نسومر.. قاهرة الفرنسيين

في منتصف عام 1854، تحرك الجنرال راندون الحاكم العام لقوات الاحتلال الفرنسي في الجزائر، إلى منطقة جبال جرجرة التي لم تكن قد خضعت بعد للاحتلال الفرنسي برغم مرور قرابة ربع قرن على غزو فرنسا للجزائر.. وبعد شهر ويزيد من المعارك عاد الجنرال إلى مقر حكمه في الجزائر العاصمة ليجد عبارة لطيفة تزين قاعدة تمثال ساحة الحكومة “لقد ضاعت عصا المارشال في جبال القبائل سوف تقدم هدية مشرفة لمن يعثر عليها “..من أفقد المارشال المغرور عصاه، ومن جعله يدفع أموالا طائلة لبعض رؤساء القبائل لتأمين سلامة انسحاب قواته.. إنها عذراء الجبل أو “خَوْلَة جرجرة” نسبة إلى الصحابية المجاهدة “خَوْلَة بنت الأزور” كما كانت تحب أن تُدعى، أو هي “جان دارك جرجرة” كما سماها الفرنسيون، أو فاطمة أبيها بنت سيدي “محمد بن عيسى” قيِّم زاوية الطريقة الرحمانية بقرية “ورجة” الواقعة على بعد 7كيلو متر شرق عين الحمام التي تسمى حاليا بلدية آيت بويوسف بمنطقة القبائل شمال شرق الجزائر.

نشأتها وتمردها على عادات القبيلة

كانت فاطمة منذ حداثة سنها مولعة بالاستماع إلى الأحاديث والدروس الدينية التي كانت تلقى بالزاوية، كما كانت تحفظ القرآن مع إخوتها الذكور باستراق السمع حين يرددون آي الذكر الحكيم، لأن التقاليد آنذاك كانت ترى في تعليم الفتاة أمرا لا فائدة ترجى منه، فكانت الفتيات يعانين قسوة المعاملة من الآباء والإخوة حتى إذا زوجن تم اقتيادهن إلى بيوت أزواجهن كالسبايا، وربما لا تغادر إحداهن بيت زوجها إلا إلى القبر.. رأت فاطمة هذا الوضع المأساوي، فأرادت أن تتعرف موقف الشرع الحنيف من هذا الجور، خاصة بعد أن اتفق بعض رؤوس القبائل على منع توريث الإناث ممن تزوجن في قرى أخرى حتى لا يذهب الميراث إلى أولادهن الغرباء!

رأت فاطمة في كل ما أطلعت عليه، وما ترامى إلى مسامعها من تعاليم الدين الحنيف أن الإسلام رفع من شأن المرأة، وأوجب لها الاحترام، وساوى بينها وبين الرجل في أغلب الأمور، ولم يميز بينهما إلا فيما وجب التمييز فيه لاختلاف الطبيعة؛ فكان ذلك داعيا لها على التمرد، ورفض الزواج فلما مات أبوها أجبرها أخوها “سي الطيب” على الزواج من أحد أبناء أخوالها، فلما كانت ليلة زفافها صارحته بأنها مًكْرَهَة، فأرسلها إلى بيت أهلها ورفض تطليقها؛ إذ اعتبر ما قامت به إهانة له ولأهله.

بقيت فاطمة في “ورجة” فترة عوملت فيها معاملة سيئة من أهلها عقابا لها على ما فعلته حتى ساءت حالها، فكانت تخرج للسير في الجبال تتأمل وتختلي بنفسها، وخاف عليها أخوها فأمرها بتولي أمر الزاوية فانشغلت بالعلم والتعليم لفترة، ولكنها قررت في النهاية أن تغادر “ورجة” إلى “سومر” وهي قرية تبعد عن قريتها بضعة كيلومترات يعيش فيها أخوها “سي الطاهر” مع زوجته وأولاده، ويتولى أمر زاوية الطريقة الرحمانية بها.

ذهابها إلى سومر وتلقيها العلم على يد أخيها

في “سومر” واصلت فاطمة رحلتها في طلب العلم على يد أخيها الذي كان ذا معرفة واسعة بعلوم الدين والدنيا، وكانت تفرغ نفسها للعبادة والتأمل لأيام وليال لا تطعم شيئا، وكان ذلك من الأسباب التي تلتمس بها الكرامات في الطريقة الرحمانية، وبدأت نساء “سومر” يتوافدن على فاطمة طلبا للبركة والشفاء من الأمراض، وقد شُفي على يديها كثير من نساء القرية، وحملت بعضهن ممن كن يئسن من الحمل؛ حتى أطلق أهل القرية عليها لقب “لالة” وهي لفظة أمازيغية  يقصد بها التبجيل والاحترام وتعني بالعربية السيدة.. منذ ذلك الوقت عرفت فاطمة بلالة فاطمة نسومر، والنون الملحقة باسم القرية تعني نسبة السيدة إليها.

لم تكن لالة فاطمة نسومر في أثناء ذلك غافلة عما يحدث في ميادين الجهاد ضد المستدمر الغاصب الذي تزامن دخوله إلى بلادها مع ميلادها، فكانت تتابع أنباء المعارك التي يخوضها المجاهدون في أنحاء البلاد؛ فهي لا تنسى الأمير عبد القادر ذلك الفارس الشجاع الذي قاد المقاومة في غرب البلاد لسنوات، وكان قد زار أباها في الزاوية ورآها وهي على صهوة جواد تعدو به بمهارة فعجب لذلك أشد العجب، وأثنى عليها.. ومما قاله لها أن دور المرأة في الجهاد ضد الفرنسيين لا يقل خطرا عن أدوار الرجال.. كما لا تنسى عندما كانت في الرابعة عشرة عندما وقعت معركة تادميت التي اضطر فيها الجنرال “بيجو” إلى الانسحاب بقواته بعد فقد نحو اثنين وثلاثين جنديا في هجوم خاطف بقيادة “سي أحمد الطيب أوسالم” نائب الأمير عبد القادر على شرق الجزائر.

جرائم الفرنسيين في منطقة القبائل

كانت قوات الاحتلال الفرنسي عندما تفشل في مواجهة رجال القبائل في ساح الوغى يلجئون إلى أخس الأساليب، ألا وهي مهاجمة القرى الآمنة وإحراقها وقتل كل من فيها دون تمييز.. كانوا يفعلون ذلك كلما أوجعتهم ضربات المقاومة التي كانت تأتيهم دائما من حيث لا يحتسبون، خاصة تلك الهجمات التي كان يقودها الفارس محمد الأمجد ابن عبد المالك المعروف بالشريف “بوبغلة” كما كانت هجماته على من انضموا إلى الفرنسيين من رؤوس القبائل، تنزل الرعب بقلب كل من تسول له نفسه ارتكاب هذا الفعل الشائن.

وكان التجاء “بوبغلة” إلى جرجرة بعد انسحابه في سبتمبر1851، بعد أن أقدمت قوات الاحتلال على ارتكاب جريمة شنعاء تم فيها إبادة 29قرية مما أدى إلى استسلام قبائل اتحادية المعاتقة، وقبائل الفليتة، ولم يستطع العدو مواصلة تقدمه نظرا لوعورة المنطقة.

في هذه الأثناء كانت لالة فاطمة تدعو الناس إلى الجهاد دفاعا عن الأرض والعرض واجتمع تحت إمرتها نحو7آلاف مقاتل من رجال الطريقة الرحمانية وغيرهم، وخاضت بهم عديدا من المعارك المظفرة في نواحي (إيللتي وتحليجت ناث وبورجة، تاوريرت موسى، تيزي بوايبر) كما شاركت بجيشها إلى جانب الشريف “بوبغلة” في معركة18 يوليو 1854 التي هزم فيها الفرنسيون وانسحبوا مخلفين أكثر من 800 قتيل منهم 25 ضابطا.. مما دفع القائد العام الجنرال راندون إلى تجهيز حملة عسكرية قوامها نحو45 ألف جندي لمهاجمة جرجرة بعد نجاح فاطمة في تكبيد القوات الفرنسية خسائر كبيرة إضافة إلى عشرة جنرالات قضوا في المواجهات معها، كما قتلت بيدها “سي الجودي” الخائن احد رؤساء الأعراش “القبائل” المتعاونين مع الاحتلال.

أسرها ووفاتها في الأسر رحمها الله

ورغم التفوق الفرنسي في العدة والعتاد لم يستطع الفرنسيون حسم المعركة على الأرض، وطلبوا الهدنة وخرج وفد جرجرة للتفاوض بقيادة “سي الطاهر” وبعد مغادرته معسكر الفرنسيين أصدر الجنرال راندون الأمر بالقبض على الوفد، وكانت فاطمة ومعها النساء والأطفال قد التجئوا إلى قرية قرب تيروردة، وهناك وقعت فاطمة في الأسر بعد أن دمر الجنود مكتبتها العامرة بنفائس الكتب، وكان ذلك في11يوليو1857، وتم تحديد إقامتها في بني سليمان تحت رقابة الباش أغا الطاهر بن محي الدين، وكانت تستقبل في مقر إقامتها الجبرية نحو200زائر يوميا، وقضت فاطمة في الأسر ست سنوات عابدة متنسكة إلى أن اصيبت بمرض شديد أدى إلى وفاتها وهي في الثالثة والثلاثين بعد حياة حافلة بالجهاد والبطولات منعدمة النظير، وكانت قد طلبت من النساء ألا يبكينها، وأن يكون وداعها بالزغاريد.. ودفنت فاطمة في مقبرة سيدي عبد الله ببني سليمان ثم نقل جثمانها بعد الاستقلال إلى مدينة الجزائر لتدفن بمقبرة العالية في مربع الشهداء.. وفي العام الماضي وبمناسبة مرور50عام على الاستقلال أنتج فيلم عن سيرة البطلة المجاهدة من إخراج الجزائري بلقاسم حجاج.

رابط الفيلم

” الحرية زهرة نادرة تطلبها كل الشعوب ولكنها لا تترعرع إلا عند الذين يسقونها بالدماء ” لالة فاطمة نسومر.