قيم الحوار المفتقدة فى مصر

أينما وجهت وجهك لتتابع أى منتدى فى مصر، عام أم خاص صغير أم كبير فى الفضاء الحقيقي أم فى الفضاء الافتراضى، صفع ضميرك مستوى التدنى الحاصل فى شكل وطريقة ومنهج الحوار ومآلاته.

الحوار فى أصله له ضوابط حددها ديننا وتعارفت عليها الشعوب المتقدمة، ومارستها حتى أضحت قيما راسخة وسلوكا ثابتا.

الحوار يهدف فى النهاية تجلية وجه الحق أو الصواب من الطرفين المتحاورين، كل منهما قد تحرى التجرد والعدالة اللازمين للقبول بالحق عندما يتبين بطرق استدلال صحيحة وموضوعية.

تتنوع الآراء وزوايا النظر والتناول، فاختلاف الرأى سنة قضاها الله تبارك وتعالى على خلقه، يقول تعالى “ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذلك لآيات للعالمين”.

ويقول أيضا “ولوشاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”.

يقول الفخر الرازى والمراد اختلاف الناس فى الأديان والأخلاق والأفعال، ومن معانيها أيضا لو شاء الله جعل الناس على دين واحد بمقتضى الغريزة والفطرة لا رأى لهم فيه ولا اختيار، فما كانوا بشرا بل كانوا كمجتمعات النحل أو النمل، ولكانوا فى الروح كالملائكة مفطورين على اعتقاد الحق والطاعة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون وما يؤمرون، لا يقع بينهم تنازع أو اختلاف ولكنه تعالى خلقهم بمقتضى حكمته كاسبين للعلم وليس ملهمين أو يتلقون وحيا من رب السماء.

من أصول الحوار المفتقدة سلوك الطرق العلمية الصحيحة وتقديم الدليل، فإن كنت ناقلا فاحرص على الصحة وإن كنت مدعيا فعليك بالدليل، حريصا على سلامة الدفوع والدلائل من التناقض الذى تحفل به دفوع كل طرف فى بعض الأحيان دون خجل أو وجل، كن حريصا أيضا على أن يكون الدليل متصلا بعين الدعوى أو الموضوع، والاتفاق على منطلقات ثابتة أو مسلمات دينية أو عقلية، والبدء بنقاط الاتفاق وليس الخلاف لتوسيع آفاق الحوار دون إيغار للصدور منذ البداية، فالصدور إن ضاقت ضاقت ساحات الحوار معها وخنق دخان الخلاف الصدور فى المبتدأ والمنتهى، وهو ما يقطع طريقه الإخلاص والتجرد وقصد وجه الحق ومن ثم الالتزام بآداب الحوار، كالقول الحسن وتجنب التحدى والرغبة فى الإفحام والالتزام بوقت محدد فى الكلام وحسن الاستماع وأدب الإنصات وتجنب مقاطعة الطرف الآخر وتقديره واحترامه وإشعاره بذلك من وقت لآخر.

من الأمور التى تُعقد النقاش جدا أن يكون الطرفان أو أحدهما غير مؤهل للحوار أو البحث فى موضوع النزاع، وهذا الأمر تحديدا من عموم البلوى فى مجتمعنا الذى تقدم فيه الأدعياء حتى ملئوا المنتديات والفضائيات والمجالس، أهلية المحاور أصبحت أمرا عزيزا، وبدت الجرأة على الحق ديدن كثير من الناس، ممن لا يفرقون فى كثير من الأحوال بين ما هو قطعى أو معلوم من الدين أو الواقع بالضرورة وما هو نسبى.

حدية مقيتة أبيض أو أسود فى كل الأمور، تخوين وتكفير وتبديع وتفسيق وتسفيه للعقل والرأى والمنطق لايعرف حدودا أو آدابا.

لماذا لا نتفق على أن النوايا لا يمكن الحكم عليها فى الحوار وأنها محل نظر الحق تبارك وتعالى، فنبتعد عن اتهام النوايا أو الذمم أو المعتقدات، سيبقى لكل منا اجتهاده، لماذا نريد من الحاكم أن يستمع إلينا ونحن لا يسمع بعضنا بعضا ولا يقبل بعضنا بعضا.

بعيدا عن دائرة إنكار المعلوم من الدين بالضرورة أو قطعى الثبوت قطعى الدلالة، كل شىء نسبى يقبل الخلاف وتنوع الرأى والاجتهاد.

إن حالة الاحتراب الفكرى حول أمور سياسية أو دينية أو اجتماعية وصلت إلى مستويات هددت بنية مجتمعنا وسلامه الاجتماعى، وبددت فرص اجتماع الناس فى بنى سياسية أو اجتماعية أو غيرها واجتماع الناس واتفاقهم على مبادىء أو أفكار، وهو أمر من لوازم النهوض المنشود والتغيير المرجو كيف سنحصله عبر تلك الروح وهذا السلوك.

الله تبارك وتعالى قال فى حق الإيمان به أو الكفر “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” وجعل من بين قرآنه مئتين أو أكثر قليلا آيات محكمات لا يقبل الخلاف فى تأويلها أو معناها سميت أحكام، بينما ترك ستة آلاف آية يختلف المسلمون فى فهمها وتتنوع فيها المعانى والتأويلات، هل يبقى بعد ذلك منطق لأحد أن يطرح ما يطرحه كقول نهائى لايقبل الجدل، تأدبوا قليلا مع الخلق والخالق تواضعوا قليلا فالكبر أخرج إبليس من الجنة، ولايزال ينقل الكثيرين منا إلى سخط الله ونحن جميعا فى مسيس الحاجة الى رحمته ورضوانه.