قلعة مصر التجارية تنهار.. الجمارك والأوضاع الأمنية السبب

تعد القنطرة من أقدم المدن المصرية التي شهدت تحولات عديدة فى تكوينها وسكانها، فهي تبعد عن القاهرة بحوالي 150 كيلومترًا، وتمثل نقطة فاصلة بين محافظة بورسعيد التي كانت تتبعها إداريًّا حتى ستينيات القرن الماضي، ومحافظة الإسماعيلية التي تتبعها الآن، والقنطرة غرب تتميز بموقعها الفريد على قناة السويس، ويربطها بسيناء كوبري السلام، موقعها الفريد جعلها محطًّا للعديد من الأحداث، كان أبرزها ما شهدته من بطولات وتَصدٍّ للعدوان الإسرائيلي، خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، ويرجع تاريخها لأيام العصر الفرعوني، حيث عبر بعض الأنبياء من وإلى مصر خلالها، مثل نبي الله موسى والسيدة مريم والمسيح، ومع عصر الانفتاح التجاري تحولت المدينة من الصيد إلى التجارة وكانت أهم مدينة تجارية بعد بورسعيد، وبعد حادث محاولة اغتيال الرئيس مبارك في بورسعيد أغلقت المنطقة الحرة، وخيم الظلام على بورسعيد، وأصبحت القنطرة المدينة التجارية الأولى في مصر، ومع الوقت تحولت إلى أهم قلعة تجارية في البلاد، حيث تحولت المدينة بالكامل إلى سوق ضخمة لبيع الأقمشة والملابس والأحذية المستوردة من تركيا وإيطاليا وأمريكا، ويرتادها الآلاف يوميًّا، نظرًا لانخفاض الأسعار، لكن في الأيام الأخيرة تغيرت الصورة تمامًا، حيث تسببت الأوضاع الأمنية وزيادة الجمارك في انهيار قلعة التجارة الأولى فى مصر.

ويقول أحمد كمال، أحد سكان القنطرة، إنه يعمل بالتجارة هو وجميع أفراد أسرته، وزاد حجم الأعمال بشكل كبير بعد أزمة بورسعيد، وشهدت المدينة رواجًا لم تشهده من قبل، وكان الزحام طوال الـ 24 ساعة، وكانوا يقسمون أنفسهم للعمل ثلاث ورديات، ولكن بعد الثورة بدأ حجم الأعمال يخف بشكل كبير، وفي العام الأخير تغيرت الأحوال بعد القرارات التجارية الجديدة وتعويم سعر الصرف وفرض الرسوم الجمركية والأوضاع الأمنية.

وتابع: كانت هناك حركة تجارية خفيفة لا تستدعي سوى عمل وردية واحدة خلال أوقات النهار، ولكن في الأيام الأخيرة مع القرارات الجمركية الجديدة وحظر الاستيراد إضافة إلى مع قرارات أمنية، انهارت قلعة التجارة المصرية بشكل تام، وأغلقت كافة المحلات مع اختفاء الزبائن والبضائع، ولم يتبقَّ سوى الحوامل والفترينات والطاولات التى كانت تفترش الشوارع طوال اليوم وهي ممتلئة بالملابس والأقمشة والأحذية وشتى البضائع.

وأكد أن آلاف العمال الوافدين هجروا المدينة، وأبناءها لم يجدوا أي مصدر رزق آخر بعد توقف الحركة التجارية بها.

وقال الحاج حماد عطية سالم، 77 عامًا، أحد أبناء مدينة القنطرة، إنه حتى قبيل منتصف القرن العشرين لم يكن بالقنطرة غرب سوى عائلتي البياضية والصعايدة، وكان أهلها يعتمدون على الصيد، فكانت معظم أراضي القرية الحرة عبارة عن بحيرة اسمها “أم الريش” وملاحات، وكانت المساكن عبارة عن عشش، ومع بداية عهد الرئيس جمال عبد الناصر بدأ شكل المدينة يتغير، وتحولت إداريًّا في ستينيات القرن الماضي من مدينة تابعة لمحافظة بورسعيد إلى محافظة الإسماعيلية، وبدأت تتلاشى مساحات المياه الشاسعة والبحيرة التي كانت مصدر رزق لأهالي المدينة، وظهرت مهنة أخرى للأهالي وهي تجارة الأقمشة والملابس، فكان بعضهم يسافرون إلى فلسطين لجلب بعض البضائع وبيعها، ولم يكن يتخطى عدد سكان المدينة في هذا الوقت 2000 نسمة، ومنذ نهاية عهد الرئيس عبد الناصر ومع دخول عصر الرئيس السادات حدث تحول كبير في القنطرة غرب في تركيبتها السكانية وشكل مبانيها، وأصبح هناك عدد من القرى التابعة لها، بعد أن استقر بها عدد من الوافدين أغلبهم من الصعيد، ونظرًا لقربها من مدينة بورسعيد نمت تجارة الملابس والأقمشة بها.

وفي تسعينيات القرن الماضي شهدت مدينة القنطرة غرب رواجًا كبيرًا في بيع الملابس، وأصبح بها تجار يستوردون الملابس من الخارج مباشرة، وكانت تأتي إلى بورسعيد، ويتم نقلها إلى القنطرة من خلال ما يسمى “المستخلص”، الذي يحصل على عمولة مقابل إخراج البضاعة من الميناء، ومنذ عام 2004 وحتى قبل عام شهدت القنطرة غرب أزهى عصور التجارة بها، بعد أن بدأ استيراد السلع من الصين، ولكن تدهورت الأوضاع مؤخرًا ولم تعد القنطرة غرب قبلة المصريين الراغبين في شراء البضائع رخيصة الثمن بعد القرار الحكومي فرض جمارك قيمتها 14 دولارًا على كيلو الملابس المستوردة، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وندرة البيع.

وقال إبراهيم محمد، أحد التجار، إنه مطلوب منه دفع مصاريف تتعدى 5 آلاف جنيه شهريًّا أو ترك المحل، وبعد أن كان يكسب ويعيبش حياة كريمة، أصبح الآن محاطًا بالديون ومطاردًا، ولا يستطيع فتح المحل.

وتابع أنه من قبيلة اليمانية إحدى القبائل التى تعيش في القنطرة، ويعمل في المنطقة التجارية التي يوجد بها ما يقرب من 2000 محل، بخلاف ما يقرب من 5000 فاترينة غير من يفترشون الشارع، سواء على الأرض أو على مناضد وعربات تجر باليد في الشوارع وحاله هو حال المئات من التجار، مشيرًا إلى أن من لم يُحَطْ بالديون هم كبار التجار الذين لم تؤثر فيهم الأزمة، ونقلوا تجارتهم إلى محافظات أخرى، أو بدلوها حتى تعود الأوضاع. أما صغار التجار مثلي فمهددون بالسجن بسبب الديون.

وأكد أن كل الباعة الجائلين الذين كانوا يغلقون شارع التحرير الشارع الرئيسي بالمدينة لم يعد لهم وجود، الخمسة عمال الذين كانوا يعملون عنده فى المحل طردوا مثلهم مثل باقي المحلات التى شردت آلاف الأسر بسبب القرارات الاقتصادية والأمنية الأخيرة.

ومن جانبه قال اللواء ياسين طاهر، محافظ الإسماعيلية، إن مدينة القنطرة أثر في طبيعتها بعض القرارات الاقتصادية والأمنية، وهي أمور تخضع لإجراءات متعددة خارج صلاحيات المحافظة، مشيرًا إلى أنه سيبدأ فى تنفيذ عدد من المشروعات التنموية، لتعويض الأزمة التجارية التي كان كافة أهالي المدينةيعتمدون عليها.