في حكمة الرائي: قضية تيران وصنافير

في خضم الأحداث الكبيرة، فتش عن ما يختبئ تحت الطاولة.

هنري كيسنجر (وزير خارجية أمريكي أسبق)

لا يختلف اثنان على أنَّ موضوع جزيرتي تيران وصنافير هو القضية الأهم في الوقت الحالي مصرياً، كما لايختلف اثنان على أنَّ الصراع بين السعودية وقطر هي القضية الأهم عربياً، وأخيراً وليس آخراً نفس الأمر ينطبق على وجود دونالد ترامب الرئيس الأمريكي في سدّة الرئاسة. هذه المواضيع الثلاثة إن ما تم ترتيبها بشكلٍ عكسي فإنّها ببساطة توضح وبشدّة كيفية أن هذه الأمور منطقية وللغاية. فوجود ترامب رئيساً، وحاجته الشديدة للمال الخليجي جعله يوقع بين قطر والسعودية، الواقعة المنطقية الحدوث، نظراً للعلاقات التاريخية السيّئة بين مملكة الرمال ومشيخة البترول.

هذا الأمر جعل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يعتبر الجو مؤاتياً للتخلّص من الإخوان المسلمين، خصومه المحتملين والوحيدين –بغض النظر عن رأي كثيرين- القادرين على الإطاحة به –بخلاف الجيش-. إذاً نعطي تيران وصنافير للسعودية وإسرائيل، نحصل على المال، نتخلّص من الإخوان بضربةٍ واحدة. ماذا سنخسر؟ جزيرتان هامشيتان لا تعنيان لأحدٍ شيئاً؛ هكذا بررت الحاشية المحيطة بالرئيس السيسي. هاتان الجزيرتان اللتان يمكن اعتبارهما أرضاً استراتيجية لا تقل أهمية عن قناة السويس في حد ذاتها. قد يعتقد البعض بأن الحديث ههنا مجرّد كلام عرضي وبأنه لا يمكن مقارنة أي مكان في العالم في أهميته لمصر بقناة السويس. لكن فلنراجع معاً موضوعاً شديد الأهمية: لماذا أمر الرئيس جمال عبدالناصر الجيش المصري بالتواجد في تلك الجزر؟ لماذا أصر على مصرية تلك الجزر في إحدى خطاباته؟ لماذا قام السادات بالإصرار على إبقاء قوة مصرية هناك لفترة طويلة من الزمن؟ كل هذه الأسئلة لا تأتي دون إجابات إلا إذا اعتبرنا بأن الزعيم عبدالناصر كان قائداً لا يعرف طريقه والسادات كذلك، وأن السيسي يمتلك “حيثيات” جديدة لا ولم يخبرنا عنها حتى اللحظة.

هنا فلنعد إلى تفاصيل أكثر أهمية: ماذا عن الصراع بين السعودية وقطر؟ ماذا عن تلك الوحشية في التعامل بين الدولتين المفترض أنهما شقيقتان في مجلس التعاون الخليجي؟ هل يمكن تجاهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزيارته إلى الخليج خلال الفترة الماضية؟ ألم يظهر التوقيت المدهش لبداية التوحش السعودي تجاه الإمارة الصغيرة؟ ماذا إذاً عن الصفقة الكبرى التي أبرمت بين النظامين الأمريكي والقطري لشراء طائرات مع ما يتوجّب على ذلك من معدات تصليح وأدوات وغيرها الأمر الذي يؤمن أكثر من ستين ألف وظيفة لستين ألف مواطن أمريكي؛ ألا يطرح هذا تساؤلات مخيفة عن سر وسبب الصراع السريع الاشتعال بين قطر والسعودية؟ أكثر من هذا ماذا ستستفيد مصر من تسليم الجزيرتين للسعودية؟ هل هو البعد المالي للموضوع؟ هل سيدفع السعوديون مالاً مقابل الجزر؟ أم أنها فائدة ترتجى لأجل القضاء المبرم على جماعة الإخوان المسلمين الذين يعاديهم النظام المصري الحالي؟ أكثر من هذا ما هو سر الأوتوستراد الذي يحاول الكيان العبري مدّه عبر الخليج العربي؟ ولماذا يحتاج هذا الأوتوستراد إلى الجزيرتين تحديداً؟ كل هذه الأسئلة لا تعتبر إلا بواباتٍ لعبور الفكرة وفهمها واستيعابها: لماذا هاتين الجزيرتين لا غيرهما؟ ولماذا مصر لا غيرها؟

النقطة الأخيرة والأساسية في هذا المقال هو ببساطة ماذا خلف الأكمة؟ ماذا خلف كل هذه الأحداث الظاهرة والبائنة للعيان؟ إبان العدوان الأمريكي على بنما في العام 1989، ووقتها كانت المعركة مرتبطة بالقبض على ديكتاتور بنما آنذاك مانويل نورييغا وهو ضابطٌ عسكري قام بالانقلاب الرئيس أرنولفو أرياس (في 11 أكتوبر/تشرين الأول 1968) الذين كانوا يحكمون بنما آنذاك، وسرعان ما غضب عليه أسياده الأمريكان، فهاجموا بلاده وقبضوا عليه واقتادوه أسيراً وحاكموه بعشرين عاماً من السجن. آنذاك كان الخبر الرئيسي في كل الصحف يتحدث عن بنما والصراع بين نورييغا والأمريكان، فيما كانت الأخبار الاقتصادية التي لا يقرأها أحد تقول بأن أكثر من 200 شركة أمريكية فتحت فروعاً لها فضلاً عن عقود “حصرية” لمئة عام أو أكثر للشركات الأمريكية دون غيرها، خصوصاً إذا ما علمنا بأن “قناة بنما” تشبه قناة السويس إلى حدٍ كبير.

هي مقالةٌ تتضمن أسئلة مشروعة كثيرة، أسئلة قد تضعنا أمام الحدث الأكبر بحد ذاته: أن يرى الإنسان/القارئ أكثر من المباشر البسيط الذي ترسمه محطات التلفزة ووسائل الإعلام.