فاطمة بنت المثنى القرطبية…معلمة الشيخ الاكبر

ما أبهى أن توهب النعم فتقف عند حدود الكفاف راضيا! وما أنعم أن يكون فرحك بالقرب أولى من خشيتك الجفوة والانقطاع! وما أعجب أن تنشغل بالعطية عن المعطي!.. لم يعرف الحب من لم يعرف الفرح بالمحبوب، ومن لا يرى في الابتلاء غيرة الحبيب، فقد عمت عينه عن مقام الإخلاص.. أعطيت “فاطمة” فاتحة الكتاب تخدمها، فما سألت المولى بها شيئا إلا أجابها.. وهي من الأنس برب الجمال في حال جعل صورة وجهها وهي بنت الخامسة والتسعين كوجه فتاة الرابعة عشرة نعومة وحسنا حتى لا يحتمل “محي الدين” وهو ابن العشرين النظر إليها لحظة.. يتضرج وجهه ويمتلئ عجبا فيسألها عن ذلك فتقول:” إني أفرح به حيث اعتنى بي وجعلني من أوليائه واصطنعني لنفسه ومن أنا حتى يختارني هذا السيد على أبناء جنسي.. وعزة صاحبي لقد يغار على غيرة ما أصفها ما التفتُ إلى شيء باعتماد عليه -عن غفلة- إلا أصابني ببلاء في ذلك الذي التفت إليه”.

وصفها على لسان ابن عربي

” عذراء.. هيفاء.. تقيد النظر من العابدات السائحات الزاهدات.. إن أسهبت أتعبت وإن أوجزت أعجزت وإن أفصحت أوضحت.. شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء.. علمها عملها. عليها مسحة ملَك وهمة ملِك” هكذا وصفها محي الدين ابن عربي.

لقد صاغت فاطمة بنت المثنى روح ابن عربي خلال العامين اللذين قضاهما في خدمتها وهو لم يقض تلك المدة ولا أقل منها في خدمة أحد من الرجال..” أنا أمه الإلهية.. هكذا كانت تقول لأمه الترابية حين كانت تأتي إليها، وتضيف” يا نور هذا ولدي وهو أبوك فبريه ولا تعقيه”.

عرفت فاطمة بالصلاح والزهد والعبادة والتقشف مذ كانت صبية فقيرة تكسب عيشها من العمل بالخياطة.. ولكنها سرعان ما تصاب في يدها إصابة تعجزها عن العمل والكسب؛ فكانت تأكل مما يلقى بالأبواب من بقايا الطعام لا تسأل الناس شيئا، فلا حاجة لها في دنيا الناس وهي المتنعمة بالقرب الزاهدة عن الشواغل المحترزة من الوقوع في التسبب؛ فهو عندها من صور الغفلة عن رب الأسباب.

أعطاني حبيبي فاتحة الكتاب

يروي محي الدين بن عربي أنها قد ظهر عنها من خرق العوائد بفاتحة الكتاب خاصة كل شيء.. وكانت تظن أن هذا متاح لكل أحد، بل وتعجب ممن امتنع عليه شيء، وعنده فاتحة الكتاب.. فكانت تقول له: لأي شيء لا يقرؤها.. ما قرأها إلا ويكون له ما يريد.. ويروي هذه القصة تأكيدا على ما اختصت به فاطمة من خدمة الفاتحة فيقول:”…فبينا نحن قعود إذ دخلت امرأة فقالت لي: يا أخي إن زوجي في “شريش شذونة” – بلدة أندلسية- أخبرت أنه يتزوج بها فماذا ترى؟ قلت لها: وتريدين أن يصل؟ قالت: نعم.. فرددت وجهي إلى العجوز؛ وقلت لها: يا أم ألا تسمعين ما تقول هذه المرأة؟ قالت: وما تريد يا ولدي؟ قلت: قضاء حاجتها في هذا الوقت وحاجتها أن يأتي زوجها؛ فقالت: السمع والطاعة إني أبعث إليه بفاتحة الكتاب وأوصيها أن تجئ بزوج هذه المرأة وأنشأت فاتحة الكتاب فقرأتها وقرأت معها فعلمت مقامها عند قراءتها الفاتحة وذلك إنها تنشيها بقراءتها صورة مجسدة هوائية فتبعثها عند ذلك فلما أنشأتها صورة سمعتها تقول لها: يا فاتحة الكتاب تروحي إلى “شريش” وتجيئني بزوج هذه المرأة ولا تتركيه حتى تحضريه، فلم يلبث إلا قدر مسافة الطريق من مجيئه فوصل إلى أهله”!

المرأة مؤهلة للوصول إلى أعلى مراتب الولاية

كما يذكر ابن عربي أن من أسباب تكلمه بعلم الحروف “علم الأولياء” خدمته لهذه السيدة وانتفاعه بفيض علمها، لذلك فقد أقر بولادته المعنوية منها دون سواها، وميز في ذلك بين ما أسماه نسب الدين ونسب الطين.. كما أقر بظهورها بوجهي الولاية: العرفان والتصريف في الأكوان.. وفي هذا يقول محي الدين:” تصبح المرأة ـ فيما لو أصبحت قطبا خليفة ـ هي صاحبة الوقت، وسيدة الزمان، خليفة اللّه في أرضه، ونائبة سيد المرسلين في أمته، وارثة للاصطفاء والاجتباء والخصوصية الآدمية” وربما كان أثر فاطمة في محي الدين هو ما جعله يذهب إلى إمكان أن تكون المرأة قطبا وخليفة، وهي قناعة وصل إليها بالتدرّج وعن قناعة مفادها أنه “لا مانع تكوينيا أو كونيا من وصول المرأة إلى أعلى مراتب الولاية.. وإن كان قد قال أنه لم يقع ضمن خبرته لقاء امرأة في موقع القطب، صاحبة الزمان، الغوث الخليفة.  لكنه يرى أن النساء والرجال، يشتركون في جميع مراتب الولاية حتّى في “القطبية”؛ فكل ما يصح أن ينال الرجل من المقامات والمراتب والصفات يمكن أن يكون لمن شاءَ اللّه لها من النساء؛ لذلك فطريق الولاية أمام المرأة مفتوح.. لا سقف يحدّها إلا مرتبة النبوة وشخص النبي (صلى الله عليه وسلم)، فالمرأة وإن لم تظهر بالفعل في دنيا الناس في موقع القطبية إلا أنّه في قدرتها ذلك، وبالتالي في عالم الروح تتساوى الحظوظ بين المرأة والرجل، وينعكس هذا التساوي في نظرة أعلام الصوفية لها”.‏

لم تترك لنا فاطمة بنت المثنى القرطبية أثرا مكتوبا، ولا شاهدا ملموسا ولا بناء مشيدا ينسب إليها وبه تُعرف؛ لكنها تركت لنا كتابها الحي المتدفق بالفتوحات، المحتشد بالتأملات، المليء بالأسرار والقابل لكل غامض وظاهر من التأويل الذي ما زال إلى يومنا هذا محل دراسة وعناية ومحاولات عديدة للفهم والاستنباط.. وما نقصده هنا بهذه الإشارة هو محي الدين بن عربي نفسه الذي استولد بالتجربة الروحية الكاملة منها، فحمل أنوارها الروحية إلى أبعد مكان وصل إليه ونظنه “قونيه” حتى يوم أن قضى وهو بدمشق عند سفح قاسيون شيخا هرما في السادسة والسبعين، وما زالت فاتحة فاطمة الأثيرية تحوطه، وترد له شيئا من عبقها النائم عند حدود قرطبة.