عيد مصر الذي طال انتظاره

على مدار العقود الماضية تناولت كتابات الكثيرين قدوم الأعياد في مصر تحت عنوان بأي حال عدت يا عيد، تدور كلها حول انتظار العيد الكبير الذي تفرح فيه مصر كلها، بتحقيق كل الآمال أو على الأقل الشروع في وضع الأماني الشعبية موضع التنفيذ، كان هناك دائماً شوق ليوم يأتي على مصر وهي في أحسن حال، وقد نفضت عن نفسها كل هذا الفساد الذي ظهر في الأرض وساد حتى صار هو النظام وهو القاعدة، وغيره هو الاستثناء الخارج عن النظام، يوم تودع فيه مصر كل هذا الاستبداد الذي جثم على صدرها سنين طويلة، يوم يتخلص فيه المصريون من الفقر، ويشرعون في بناء وطنهم، وطناً للحرية وللعدالة، وللكرامة الإنسانية.

كنا أحياناً كثيرة نفقد الأمل في أن نعيش هذا اليوم في القريب العاجل، وكنا كأننا نحلم بما لا يجيء، وننتظر ما لا يأتي، ونتطلع إلى شيء بعيد المنال، حتى انفجرت الأحلام من جديد، واندفعت كل الآمال حين صرنا قاب قوسين أو أدنى من العيد الكبير الذي طال انتظاره.

كان ذلك مع اندفاعة موجات ثورة 25 يناير، التي أعادت إلى مصر ألقها، وبثت فيها الروح التي كانت قد غادرتها، وبدا لنا خلال ثمانية عشر يوماً في ميادين التحرير في كافة ربوع الوطن أننا استطعنا أن نقطف قرص الشمس هدية لمصر، وأن عيدها الحقيقي قد هلَّ هلاله، وأقنعنا أنفسنا، وقد كنا في حاجة ماسة لأن نقتنع بأن مصر الجديدة قد هلَّت بشائرها، مصر الحرة العزيزة القادرة، وشعبها قد صار حراً من قيود الاستبداد، وقد أسقط رأس الاستبداد والفساد التي طال بقاؤها على عرش مصر، وكنا نتصور أننا قد أمسكنا المستقبل بين أيدينا.

كان كل يوم من تلك الأيام الثمانية عشر عيداً في حد ذاته، كانت أياماً كلها أعياد للحرية والكرامة والعزة، وفرض الشعب صوته، حيث وجد الشعب بَطُل كل شيء دونه، وصار هو وحده الرقم الصعب، صاحب القرار، المقرر، الآمر، القادر على أن يملي إرادته فوق كل إرادة.

كان وعي الشعب في أعلى درجاته، وكان تماسكه الوطني في عز التحام كل فئاته وأطيافه، وكانت صورة المصري المسيحي يقف في حماية المصري المسلم حين يصلي صلاة الجمعة في قلب ميدان التحرير تعبر عن صلابة هذا التلاحم، وعمق وعي هذا الشعب.

كنا شعباً واحداً في مواجهة سلطة متسلطة انهارت لحظة حضور الناس، وكنا شعباً متحضراً، بل في أعلى درجات التحضر حين انتشرت جموع الشباب تكنس الميادين وتغسلها بالمياه، وتدهن أرصفتها بالبوية البيضاء والحمراء والسوداء، في تلك الأيام ذهبتُ إلى وحدة المرور لتجديد رخصة السيارة، فوجدت بشراً غير البشر، ومعاملة غير المعاملة، واحتراماً فوق كل احترام، مع أن الناس هم أنفسهم، ولكن يد العزة والكرامة مست أرواحهم فقلبتهم إلى بشر طبيعيين محترمين، لا يقبلون رشوة، ولا يتعاملون بغير ما يليق بكرامة الناس واحترامهم.

ومرت الأيام، وجرت مياه كثيرة في النيل، وكأننا لم نمر من هناك أبداً، وكأن هذا العيد الذي أطل علينا من بعد طول الشوق، كان سراباً بقيعة حسبناه ماءً، وعادت ريما لعادتها القديمة، ودارت الأيام دورتها بل استدارت إلى دورتها التي اعتدنا عليها طوال العقود الماضية.

وملئت السجون بالشباب، واستقبلت السماء أرواح الشهداء، ويقيت في الحلق غصة لا تنمحي، وعاد الفقراء يحلمون برغيف عيش غير مغموس بالذل والمهانة، وصارت الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية بعيدة المنال، وتراجعت صورة مصر التي ارتفعت خلال الثمانية عشر يوما في يناير 2011 وصارت أشباه دولة، وصار الشعب الواحد شعوبا وقبائل، وعاد الإعلام إلى الصوت الواحد، صوت السيد الرئيس، وأصبحت انتهاكات حقوق الإنسان أسوأ بكثير مما سبق، وأصبح الاقتصاد في وضع أسوأ بشكل خطير، وبات التغيير الذي طالبت به الجماهير خارج أجندة النظام.

هذا هو عيد الفطر السابع بعد ثورة يناير المغدورة، ولست أدري إذا كان يحق لنا أن نفرح بقدوم العيد، وهذه الغصة تحتوينا حتى ضيقت علينا الحياة، والذاكرة مملوءة بمشاهد ووقائع ذلك الحزن المقيم، وحالنا يزداد سوءاً في كل عام يمضي، نريد أن نفرح ولكن هل يكون فرحنا حقيقيا؟

كيف يفرح وطن ملء سجونه بشر، وعلى أرضه الملايين تحت خط الفقر يلامس معظمهم الفقر المدقع، كيف نفرح ونعييد ويد الإرهاب المجرم طليقة تحصد أرواحاً بريئة، وجنوداً بواسل، وضباطاً من خيرة أبناء الوطن؟

سئمنا طول الحياة تحت الاستبداد، ومللنا العيش في ظل كل هذا الفساد، ويبدو أن هناك من يريد أن يجعلنا ندفع ثمن التطلع للعيش على أرض بلدنا بكرامة وثمن المطالبة بالحرية والعدالة.

لست أدعو إلى التعاسة، ولا أنا ضد أفراحنا الصغيرة بأعيادنا التي لم تجلب لنا الفرح الكبير، يوم تنتصر إرادة الشعب، وتتحقق كل آماله وتوضع كل أمانيه موضع التنفيذ، ساعتها سنغني جميعاً والفرح يملأ قلوبنا (جانا العيد، أهو جانا العيد) ذلك الذي طال انتظاره.