عيدٌ لنا وعيدٌ للعدو

ليست الحرب هي المُعضلة، ولا تكمن الأزمة في الهزيمة وحدها، بل إن الأمر وما فيه أن تكون هناك أمّة تحمل بين أضلعها نشوة النصر والسيادة والأمل المُكتمِل التام ثم تهوي في بئر سحيق من الخسارة والانهزام، ليست الكارثة في أن تخوض حرباً ثم يهزمك العدو، فالهزيمة هي أحد خيارين لا ثالث لهما، إما أن تنتصر أو تنهزم، إما أن ترجح كفّتك أو كفّة العدو، إنما الكارثة الحقيقية هي أن يتعذر على عقلك استيعاب أن هزيمتك في معركة ما هو أمر مطروح للقدَر وطاولة النقاش وقانون الاحتمالات. النكسة الحقيقية هي انتكاسة الخارجين من عصر الإقطاع لعصر الرأس المرفوع ثم عودتهم إلى خانة المهزوم. أن تصبح سيّداً على نفسك ثم تفقد كل شيء في لحظة، أن ترتفع رأسك إلى السماء السابعة فخراً وثقةً، ثم تُضرب بحَجَرٍ يُسقطك عاجزاً عن الحركة والتفكير وحتى الحلم.

الخامس من يونيو عام 1967 لم يكن تاريخاً لهزيمة عسكرية وحسب، وإنما كان موعداً لهزيمة نفسية أصابت الشعب المصري وعبثت ببنيته الاجتماعية والاقتصادية والعقائدية. الهزيمة عبثت بنظرة المواطن تجاه نفسه والآخرين، هزمت أمله في المستقبل وتصديقه لأي شيء يُقال له، أفقدته القدرة على الحلم دون هواجس قاتلة كفيلة بالتراجع عن السعي نحو أي شيء. الإعلام يقول إننا الأقوى، الإعلام يقول إننا سننتصر، بل إننا انتصرنا بالفعل، أسقطنا للعدو طائرات، هذا بالضبط ما قيل. الإعلام والساسة والمؤسسات كلها أكدت أن الحلم قريب، أن الجميع على قلب رجل واحد وهذا عكس ما قيل وحدث بعد ذلك، بعد أن عاد الجنود سيراً على الأقدام بين مصاب وشهيد وناجٍ بحُكم الميت وكل ذلك دون حرب.

حتى منتصف نهار الخامس من يونيو لعام 1967 كانت هناك مصر غير التي تلت هذا اليوم وإلى يومنا هذا، كانت مصر الواثقة المتحابّة المتمسّكة –بقدر الإمكان- بأساسيات التعايش المجتمعي والقدرة على احتمال الظروف والضغوط لأنهم يصدّقون من يخبرونهم –مصدّقين أنفسهم- بأن الغد أفضل وأن نهاية الصبر والتحمّل ستأتي بالخير على الجميع.

حتى منتصف نهار الخامس من يونيو لعام 1967 كان المواطن قادر على تحديد بوصلة سياسية ينتهج نهجها –ولو سراً- إيماناً منه بأنها بالتأكيد ستصب في مصلحة الوطن، وبعد ذلك التاريخ شرد الجميع عن الهدف الذي اختفى بغتة وبقى لكلٍ أن يلتفت ليجد تلال من الهموم تحاصره من كافة الجهات. تذكّر الفقير فقره وشعر بصراخ أمعائه جوعاً للمرة الأولى، فلم يعد هناك ما يدعو لاحتمال حتى ما يمكن احتماله. شعر المواطن بأحقيّة بعض الأشياء غير المرئية بالمزيد من الولاء لا لشيء سوى الرغبة في تحقيق انتصار فردي، شخصي، لفرد في جماعة مهزومة. ليتميز فلان على غيره بالتقوى، ليتسلط علّان على غيره بالمال، ليفعل الجميع أي شيء مما رفضوه مسبقاً في مقابل النصر ولكن أي نصر؟

في الواقع إن حتى انتصار أكتوبر لم يحقق أو يداو ما ألحقته النكسة في النفوس من هزيمة نفسية وفقدان للهدف وخسارة للإيمان بأي معنى. النكسة أصابت النفوس بالانكسار وفقدان الثقة في أي شيء محليّ، وبدأت الأعين تنفتح على ما لم تكن تراه من قبل بحسن نية، كما بدأت في إساءة الظن –معذورة- حتى في الأمور الصادقة. ولتكتمل سريالية المشهد، جاء هذا العام تاريخ النكسة الميلادي متزامناً مع العاشر من رمضان، تاريخ النصر الهجري، وسط تعليقات متشائمة وتأملات ترمي إلى أنه العام الذي تسعى فيه السُلطة في مصر لتسليم جزء من الأرض التي دارت حولها قصة الهزيمة والنصر والدماء والبطولة، إلى دولة أخرى! الأقدار تسخر ويتزامن النصر من النكسة ويحتفل العدو معنا في اليوم نفسه بمناسبتين متضادتين، فلعلّه خير.