صعود ماكرون وتراجع الأحزاب التاريخية.. انقلاب في المشهد الفرنسي

تدفع تطورات المشهد السياسي الفرنسي الكثيرين إلى القول بأن هناك نكسة قوية تضرب الأحزاب الفرنسية التاريخية، فبينما أظهرت نتائج الاستطلاعات والانتخابات الرئاسية والتشريعية في فرنسا فوز حزب الجمهورية إلى الأمام وهو حزب حديث أسسه ماكرون قبل عام، فشلت الأحزاب التاريخية الأخرى في إقناع المواطنين ببرامجها، الأمر الذي انعكس بالسلب على الحياة السياسية الفرنسية بشكل عام.

ومنذ صباح اليوم الأحد فتحت مراكز الاقتراع أمام الناخبين في الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية الفرنسية، والتي يرجح أن تسفر عن أغلبية كاسحة للرئيس المنتخب حديثا إيمانويل ماكرون، حيث تؤكد استطلاعات الرأي بأن حزب ماكرون سيحصل على ما بين 400 إلى 470 مقعدًا نيابيًا من أصل 577 مقعدًا في الجمعية ليكون بذلك متخطيا نسبة لا تقل عن 50% من أصوات الناخبين أي واحدة من أكبر الأغلبيات التي سجلتها فرنسا خلال القرن الماضي.

ماكرون الذي لم يكن معروفا قبل أعوام قليلة، وفاز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أمام شخصيات مهمة على الساحة السياسية، بات في موقع بحسب الصحف الفرنسية يسمح له بكسب آخر رهان له وهو الحصول على أغلبية واسعة في الجمعية الوطنية، فيما يبدو من المشهد أن الخاسر الأكبر من هذه الاستحقاقات هي الأحزاب الفرنسية التاريخية التي باتت أمام مفترق طرق.

وصفت الصحف الفرنسية التطوارت التي مرت بالسياسة الفرنسية والمشهد برمته خلال أعوام قليلة بالنكسة التاريخية التي لقيتها الأحزاب التاريخية، كالحزب الاشتراكي واليسار الفرنسي بصفة عامة، وحزب الجمهوري وفرنسا المتمردة، في ظل انقلاب المشهد السياسي برمته في فرنسا، في الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

وقالت صحيفة ليبراسيون الفرنسية، إن حزب الجمهورية إلى الأمام فاز بـ32,3% من أصوات المقترعين فيما يشبه الاكتساح، ليزيح من صدارة المشهد أحزاب اليمين واليسار التقليدية التي تهيمن على الساحة السياسية منذ عقود، حيث احتل في المركز الثاني لكن بفارق كبير جدًا الحزب الجمهوري اليميني الذي حصل على 21,5% من الأصوات، ثم اليسار الراديكالي 13.7%، ثم  اليمين المتطرف 13%، والحزب الاشتراكي الذي حصل على 9,5% من الأصوات، الأمر الذي أكدت على إثره الصحيفة الفرنسية أن المعارضة التي تتشكل من الأحزاب التاريخية نسبتها ضئيلة جدًا في البرلمان بسبب نظام الأغلبية الفرنسية.

وفيما اهتمت صحف فرنسية بما يتطلع إليه كل حزب من أحزاب المعارضة من أصوات في الجولتين، أبدت صحيفة لوباريزيان تحت عنوان «بحث يائس عن معارضة»، قلقها حيال جمعية وطنية يطغى عليها لون واحد إلى حد كبير، في إشارة إلى حزب ماكرون وهو أمر غير صحي بالمرة.

وفي إشارة إلى تهاوي وانهيار اليسار والحزب الاشتراكي الذي كان فاعلًا في المشهد الفرنسي في السنوات الأخيرة على خلفية صعود فرانسو هولاند إلى قصر الإليزيه، نشرت الصحيفة الفرنسية صورة كبيرة تمثل صحراء جرداء، مع عنوان صريح «لم يبق أي شيء من اليسار الفرنسي»، بعد انقسامه في تيارات مختلفة من بينها الحزب الاشتراكي، وحركة فرنسا الأبية، والحزب الشيوعي وأنصار البيئة.

وتسعى الأحزاب الفرنسية التاريحية إلى تدارك تراجعها في الجولة الثانية وخاصة حزب الجمهوريين والمستقلين، إذ يأملون في الحصول على ما يقرب من 70 إلى 110 مقعدا في الجميعة الوطنية وذلك لتكوين قوة معارضة للحكومة بعد خسارة المرشح الرئاسي الذي كانوا يعول عليه للفوز بالأغلبية.

في الوقت ذاته أصيب الحزب الاشتراكي بخيبة كبيرة بعد الخسارة الكاسحة التي مني بها في الجولة الأولي، بالإضافة إلى خسارته الانتخابات الرئاسية، وبينما كان يشغل نصف مقاعد الجمعية الوطنية المنتهية خلال الولاية الرئاسية لفرنسوا هولاند، فلا يمكنه بحسب استطلاعات الرأي الاعتماد على أكثر من بضع عشرات من النواب.

 من جانب آخر فإن حزب فرنسا المتمردة هو الآخر يواجه تحديا كبيرا في الانتخابات التشريعية بعد خسارة مرشحه جان لوك ميلانشون في الرئاسة، إلا أنه يعقد آمالا كبيرة في دخول الجمعية الوطنية وتكوين معارضة برلمانية، لكن نجاحه مرهون بفوز أكبر عدد ممكن من مرشحي حزبه، حيث يأمل في الفوز بعدد كاف من النواب يسمح بتشكيل كتلة برلمانية، فيما يحظى اليمين المتطرف بفرصة جيدة للفوز بعدد من الأصوات في الجولة الثانية لكنها ستواجه تحديات صعبة لتكوين مجموعة برلمانية حيث ترجح استطلاعات الرأي فوز مارين لوبن، زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في معقلها الشمالي إينان بومون، لكنها قد تكون نائبة ضمن نائبتين أو ثلاثة لليمين المتطرف، وهو الأقل حضورا داخل الجمعية الوطنية.