ربط الإرهاب بالإسلام أمر خاطئ (مترجم)

أثارت موجة الهجمات الإرهابية في المملكة المتحدة من جديد مناقشة تبدو غير قابلة للحل. هل الإسلام يتحمل مسؤولية التفجيرات الأخيرة والتطرف العنيف؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والموجودين في معسكره لديهم إجابة قاطعة ألا وهي: نعم، لذلك فإن مكافحة الإرهاب من وجهة نظرهم تشمل حظر المسلمين من دخول الولايات المتحدة وربما ترحيل أولئك الموجودين فيها.

لكن أسفرت عقود من البحث في التطرف العنيف عن رؤى تجريبية يمكن أن تساعدنا على مواجهة هذا الإرهاب بشكل أكثر فعالية من المتاجرة باتهام الإسلام وبث الخوف منه.

برؤية سطحية، فإن الصلة بين الإرهاب و الإسلام الراديكالي واضحة. مرتكبو الهجمات – في مانشستر ولندن ونيس وأورلاندو وباريس – جاؤوا جميعا من خلفية إسلامية مستلهمة بشكل أساسي من تنظيم داعش وكان البعض منهم قد سافر إلى سوريا.

لكن بنظرة أعمق قليلا، مرتكبو الهجمات الإرهابية – وآخرون مثلهم-  لم يكن لديهم حياة تتسم بالتدين ولم يكونوا وسط الصفوف الفعلية للمسلحين الإسلاميين.

سلمان العبيدي، منفذ هجوم مانشستر في بريطانيا، كان مولعا بالفودكا. محمد لحويج بو هلال، منفذ هجوم نيس فرنسا، كان له سجل من الجرائم الصغيرة، ولم يكن يصلي ويهوى العلاقات النسائية.

عمر متين، المسلح الذي قتل 48 شخصا في ملهى ليلي في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا الأمريكية، وصلاح عبد السلام، أحد المتورطين في اعتداءات باريس في نوفمبر 2016، كانا معتادان على تناول الكحول وزائران منتظمان لحانات مثليي الجنس.

كان مايكل زيهاف بيبو، المسؤول عن إطلاق النار في البرلمان الكندي، مدمنا للمخدرات وقد قضى فترة في السجن مثل صلاح عبد السلام.

يتضح أن التاريخ الشخصي لكثير من مرتكبي الأعمال الإرهابية الأخرى في البلدان الغربية يتلائم تماما مع هذا السرد: طفولة مضطربة، وانعدام التدين والإيمان الجوهري، والإجرام العرضي. هذه السمات تؤدي إلى أن كثيرين في المجتمع الإسلامي، فضلا عن خبراء غربيين مثل أوليفييه روي، يستنتجون أن هؤلاء الإرهابيون ليسوا مسلمين “حقيقيين” وأن الدين الإسلامي بالنسبة لهم هو مظهر وليس جوهر، وبالتالي الإسلام لا علاقة له بهذا العنف.

مسائل الاعتقاد الذاتي مهمة:

إن البحث في أسباب التطرف العنيف يشير إلى أنه لا يوجد مسار واحد. بالتأكيد الأساس الإيديولوجي للعنف ونسخة تفسير الدين التي تتبناها داعش أحد الأسباب.

ولكن هناك أسباب أخرى مهمة أيضا: المظالم السياسية أو الاجتماعية، عدم وجود بدائل لمتابعة تلك المظالم، ومدى توافر الوسائل والموارد اللازمة، وأخيرا العوامل الفردية.

أحد الأطر التي يمكن أن تساعدنا على فهم تلك العوامل الفردية هي نظرية “إدارة الإرهاب”، التي وضعها مجموعة من علماء النفس الأمريكيين خلال الثمانينات وتم التحقق من صحتها من قبل أكثر من 400 دراسة تجريبية.

نظرية إدارة الإرهاب تشير إلى أنه نظرا لأننا جميعا لدينا رغبة في الحياة، يمكن أن يؤدي الإدراك بأننا سنموت إلى حالة من الذعر الوجودي التي تصيب تفكيرنا أحيانا بالشلل.

قد ندير هذا الخوف من خلال إنكار أننا سنموت (على سبيل المثال، أنا صغيرا جدا أو أنا بصحة جيدة جدا)، ولكن في نهاية المطاف يتم إدارته من خلال الاعتقاد في الخلود سواء حرفيا (الاعتقاد في الحياة الآخرة) أو رمزيا (إرث، عمل.. الخ).

ولكي ينجح هذا الخلود في التخفيف من خوف الموت، يجب على الأفراد أن يؤمنوا بأنه هناك مكافآت تنتظر من يستحقونها. بالتالي يجب على المرء أن يكون لديه الاعتقاد الذاتي بأن الطريقة التي عاش بها حياته تستحق الخلاص وثواب الحياة الآخرة.

لكن الناس الذين يفتقرون إلى تقدير الذات، الذين لم يديروا بفعالية خوفهم من الموت، يستجيبون عن طريق الميل للنداءات المتطرفة الزاخرة بوعود الجنة ومهاجمة الآخرين الذين لا يشتركون معهم في رؤيتهم الثقافية الكونية. في المقابل، الناس الذين يستطيعون إدارة خوفهم من الموت بشكل صحيح يستجيبون بطرق أكثر تسامحا وشمولا.

على سبيل المثال، تشير الدراسات إلى أن الأمريكيين، عندما تذكروا ضحاياهم أو أحداث 11 سبتمبر الإرهابية، كانوا أكثر ميلا للموافقة على استخدام أساليب متطرفة للقبض على أسامة بن لادن أو قتله، على الرغم من معرفة أن تلك التكتيكات ستقتل أيضا الآلاف من الأبرياء.

الظاهرة ليست فريدة من نوعها للإسلام:

يظهر العبيدي وابو هلال وآخرون في الصورة الكلاسيكية للأفراد الذين يعانون من انخفاض تقدير الذات الذين لديهم ما يسميه عالم النفس بجامعة هارفارد، جوردون ألبورت، التدين الخارجي أو السطحي، حيث الدين لا يزيد عن كونه معرف للهوية الاجتماعية.

بينما “التدين الجوهري” يضع الدين باعتباره جزءا لا يتجزأ من حياة الناس – غاية في حد ذاته. ليس من المستغرب أن هذا التدين الجوهري الحقيقي، وليس الظاهري، يحمي من الكراهية والهجوم على مجموعات أخرى.

هذه الظاهرة ليست فريدة من نوعها للإسلام وهي تتفق مع تقرير شامل من جهاز الأمن البريطاني MI5 بأن الهوية الدينية الحقيقية يمكن أن تحمي فعلا من التطرف.

أبو هلال وأولئك الذين يستمدون تعليمهم الديني في المقام الأول من دعاية داعش لا يمكنهم الاعتماد على هذا المخزون من التنوير الروحي. وهكذا، في مواجهة الأزمات الشخصية – مثل الفشل الأكاديمي لعبيدي والعزلة المتزايدة وانهيار حياة أبو هلال الزوجية والمشاكل المالية – قد يسعون إلى استعادة تقديرهم للذات من خلال أعمال إرهابية مدوية.

عالمنا مقابل عالمهم:

قد يكون أحد جوانب الحل للتخفيف من خطر الإرهاب هو تبني سياسة لائقة على الصعيدين المحلي والدولي تقلل من عدم المساواة والعزلة والظلم.

إن داعش، والأفراد المضطربين، يستخدمون الدين لإنشاء عالم مقابل لعالمنا. إن التدابير الأمنية العقابية ضد المسلمين تعزز هذه الرؤية الثنائية. يبدو أن الشعبويين مثل ترامب غير مدركين لحقيقة وتداعيات السرد الذي يروجون له.

قد تؤدي هجمات ترامب ومعسكره بدورها إلى تحفيز جيل من الشباب المسلمين على الاقتراب والالتزام أكثر بتدينهم، ليس كطريق لتهذيب الروح والتنوير الاجتماعي، بل كهوية خارجية ظاهرية تساعدهم على تأكيد مكانهم في عالم معادي لهم. هذا يظهر جيدا في روايات داعش التي تعزز بالضبط ما تحذر منه دراسات نظرية إدارة الإرهاب.

يبدو أن الكثير من الجمهور يعتقد أن “الإسلام الراديكالي” هو الذي يسبب الإرهاب. ومع ذلك فإن الأسباب النفسية الأساسية التي تؤدي إلى التطرف والعنف هي أكثر بكثير من مجرد الدين. إن المسؤولية عن خنق التعصب المفرط من خلال الإدماج والاحترام لا تقع على المسلمين فحسب، وإنما علينا جميعا.

المقال من المصدر: اضغط هنا