دعم تركيا لقطر.. هل تجازف بعلاقاتها مع السعودية أم تتبع دبلوماسية حذرة؟

بعد مضي عشرة أيام على اندلاع الأزمة الخليجية بين قطر من جانب والسعودية والإمارات والبحرين من جانب آخر، ظهر الدعم التركي الكبير لقطر خلال هذه الأزمة، وهو ما أثار العديد من علامات الاستفهام حول اندفاع تركيا نحو قطر بهذه الطريقة والمجازفة بعلاقاتها مع باقى الدول الخليجية وخاصة السعودية والإمارات.

مظاهر الدعم

منذ انطلاق الأزمة الخليجية قبل ما يقرب من عشرة أيام، احتفظت العديد من الدول بالحيادية السياسية وعدم الميل إلى أي من الكفتين، خاصة تلك الدول التي تملك علاقات دبلوماسية وسياسية مع طرفي النزاع، إلا أن الدولة التركية مالت كل الميل إلى قطر، وأظهرت دعمها غير المسبوق إلى حليفتها الخليجية في أزمتها، حتى إن بعض تصريحات مسؤولي أنقرة حملت انتقادات للسعودية والإمارات؛ بسبب معاقبتهما لشقيقتهما الصغرى.

ظهر هذا الدعم جليًّا على مدار أيام الأزمة، فمن الناحية السياسية هناك تحركات نشطة للدبلوماسية التركية على طريق إعادة العلاقات الخليجية إلى طبيعتها وفك الحصار عن قطر بأي طريقة، حيث قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، إن أردوغان سيبحث الأزمة الخليجية في اتصال هاتفي مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في الأيام المقبلة، فيما أعلن أوغلو، أمس الثلاثاء، أنه “سيسافر اليوم الأربعاء إلى الدوحة، ثم إلى المملكة السعودية إن كان ذلك ممكنًا”، وذكرت وزارة الخارجية التركية في بيان لها أن الوزير سيلتقي نظيره القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وأمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني.

وجاءت هذه الزيارة بعد ساعات من تصريحات مقتضبة للرئيس التركي، انتقد فيها بشكل لاذع ما أسماه “عزل قطر”، ووصف هذا الأمر بـ “غير الإنساني والمخالف للتعاليم الإسلامية”، وقال أردوغان أثناء كلمة له في البرلمان أمام نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم، أمس الثلاثاء، إن “الأساليب المستخدمة مع قطر غير مقبولة بتاتًا”، داعيًا العاهل السعودي الذي وصفه بـ”كبير الخليج” إلى إيجاد حل للأزمة الخليجية، مؤكدًا أن قطر ليست دولة داعمة للإرهاب، بل أكثر بلد يحارب مع تركيا ضد تنظيم “داعش”، مشددًا على أن الاتهامات الموجهة إلى قطر لن تعود بالنفع على المنطقة.

الدعم التركي لم يقتصر على التصريحات والجانب السياسي فقط، بل ظهر أيضًا في الناحية العسكرية، حيث صدَّق البرلمان التركي بالأغلبية بناء على دعوة عاجلة من الحكومة، الأربعاء الماضي، على مشروع قانون للتعاون العسكري يتم بموجبه تسريع نقل جنود أتراك للقاعدة العسكرية التركية الموجودة في قطر، حيث يجري الحديث عن أكثر من 3 آلاف جندي تركي سيُرسلون إلى الأراضي القطرية لتأمينها، وذلك ضمن اتفاقية التعاون الموقعة بين البلدين في 28 إبريل من العام الماضي، وجاءت هذه الموافقة البرلمانية في الوقت الذي واجهت فيه قطر تهديدات بعمل أمني أو اجتياح عسكري من قبل بعض أشقائها الخليجيين، وتواردت أنباء عن أن قطر ستدفع لتركيا حوالي 8 مليارات دولار مقابل مساعدتها فى حماية “تميم”.

الموافقة البرلمانية التركية تبعها بأيام وصول وفد عسكري تركي إلى الأراضي القطرية، قالت رئاسة الأركان التركية إن هدفه إجراء عمليات الاستطلاع والتنسيق، وأضافت أن الوفد مؤلف من ثلاثة أشخاص، وسيقوم بعمليات الاستطلاع والتنسيق المتعلقة باستعدادات نشر قوات تركية على الأراضي القطرية، وفق الاتفاق المسبق بين البلدين، الذي صدَّق عليه الأسبوع الماضي كل من البرلمان التركي والرئيس رجب طيب أردوغان.

على جانب آخر استجابت تركيا سريعًا لأزمة انخفاض مخزون الأغذية في الأسواق القطرية، من خلال مد جسور إمداد عبر الشحن الجوي، حيث انطلقت أكثر من 15 طائرة شحن من مطار “عدنان مندريس” في ولاية إزمير التركية، باتجاه قطر، محملة بالمنتجات الغذائية، لتبلغ حجم المنتجات المنقولة خلال خمس أيام فقط من الأزمة ألف طن، لتملأ السلع التركية المحال التجارية في قطر مجددًا، الأمر الذي يحبط الآمال الخليجية في تطبيق عزل شديد وتضييق الخناق على قطر حتى الموافقة على الشروط السعودية الإماراتية.

لماذا هذا الاندفاع؟

لا شك في أن العلاقات التركية القطرية وثيقة الصله منذ سنوات طويلة، حيث يجمع الطرفين العديد من الرؤى المشتركة حول الملفات والأزمات الإقليمية، وعلى رأسها دعم البلدين لحركة الإخوان المسلمين، وتوافق الرؤى حول الأزمة السورية والدور الكبير الذي لعبه الطرفان في محاولة إسقاط النظام السوري على مدار ست سنوات، ناهيك عن أزمتهما المشتركة مع مصر، وتطبيعهما السريع والمتوازي مع الاحتلال الإسرائيلي، ومواقفهما من الأزمة في ليبيا ورعاية مصالح قادة حركة حماس.

بعيدًا عن كل هذه الأسباب الكفيلة بجعل أنقرة حليفًا مقربًا ووفيًّا للدوحة، فإن الأولى تحاول رد جزء من جميل الأخيرة لها، حيث دعمت الدوحة مرارًا النظام السياسي التركي، حتى إن هذا الدعم كان مكثفًا عندما كان أردوغان يشغل منصب رئيس الوزراء، وازدادت وتيرته بعد تولي أردوغان منصب رئاسة الجمهورية، ناهيك عن دعم الدوحة للاستفتاء الدستوري الأخير الذي توسعت بموجبه صلاحيات الرئيس التركي، وهو الاستفتاء الذي أثار غضب وحفيظة العديد من دول العالم، إضافة إلى دعم الدوحة لأنقرة ضد الانقلاب التركي الفاشل الذي وقع في يوليو الماضي، الأمر الذي جعل النظام التركي مدينًا لقطر بالكثير من الدعم في أزماتها.

في المقابل رأى بعض المراقبين أن تحركات تركيا فيما يخص الأزمة الخليجية ودعمها الكبير للدوحة يأتي في إطار المصالح البعيدة لتركيا مع قطر، حيث إن احتمال رضوخ قطر للشروط الخليجية ووضع سياستها الخارجية تحت ما أسمته “وصاية خليجية”، خطر يهدد بجعل تركيا وحيدة في العديد من المواقف التي لم تكن تؤيدها ولا تجد حليفًا لها فيها سوى قطر دون باقي الدول الخليجية، الأمر الذي سيضعف الموقف التركي ويضعه في مأزق، خاصة أن تركيا تواجه حاليًّا عداوة العديد من دول العالم، سواء من الجانب الأوروبي أو حتى الحليفة الأمريكية التي تخلت عن المصالح التركية لصالح المصالح الخليجية والأمريكية.

في ذات الإطار فإن بعض المراقبين رأوا أن الدعم التركي الكبير من أنقرة للدوحة يأتي في إطار المزايدات السياسية التي تسود الأجواء الحالية، فمثلما قطعت بعض الدول علاقاتها مع قطر نكاية فيها أو تقربًا من التحالف الخليجي الأمريكي الصهيوني، فإن أنقرة أيضًا تحاول الوقوف إلى جانب قطر لإظهار نفسها وسيطًا سياسيًّا مؤثرًا وصاحب موقف سياسي قوى.

هل تؤثر على العلاقات التركية الخليجية؟

بمراقبة التصريحات السياسية من المسؤولين الأتراك منذ بدء الأزمة الخليجية، نجد أن تركيا تتبنى استراتيجية الدعم الحذر، فعلى الرغم من دعمها لقطر في أزمتها على كافة الأصعدة، إلا أن الدبلوماسية التركية تحاول في الوقت نفسه الابتعاد عن أي خطوة استفزازية خاصة للسعودية، خوفًا من اندلاع أزمة سعودية تركية، لتبدأ تصفية الحسابات السعودية الإماراتية مع تركيا بعد عودة المياه إلى مجاريها مع قطر، حيث تتخوف أنقرة من أن تصبح الخاسر الأكبر في هذه الأزمة الخليجية، نظرًا لما تمثله السعودية من أهمية استراتيجية واقتصادية لأنقرة، خاصة مع وجود مخطط سابق لرفع مستوى التبادل التجاري بين البلدين ليبلغ قرابة الـ20 مليار دولار في المستقبل القريب، وهو ما تحتاجه أنقرة كثيرًا هذه الأيام، الأمر الذي يجعلها تسعى إلى أن تتسم دبلوماسيتها بالشد والجذب، وهو ما ظهر في تصريحات المسؤولين الأتراك.