حكاية أثر| الجامع الأزهر.. منارة الإسلام

ما بين حلقات علمية ودروس وتحفيظ القرآن والأحاديث الشريفة وحلقات الذكر منذ الصباح الباكر وحتى صلاة الفجر.. أجواء إيمانية يحتضنها الجامع الأزهر على مدى اليوم، ولا سيما في شهر رمضان، حيث تمتلئ ساحته بالمصلين لأداء صلاة التراويح خلف كبار الأئمة والشيوخ، للاستمتاع بالروحانيات، حيث يصطحب الرجال نساءهم وأطفالهم في أولى ليالي رمضان، ويأتي محبو الأزهر من جميع محافظات مصر لأداء الصلاة والاستمتاع بالأجواء الرمضانية.

أول صلاة بالجامع الأزهر

بنى مسجد الجامع الأزهر في 22 يونيو 972م، بأمر من جوهر الصقلي، ليكون مسجدًا كبيرًا للمدينة الجديدة، ومنذ ذلك الوقت أصبح الأزهر مركزًا للتعلم فى العالم الإسلامي أجمع، وأول صلاة أقيمت به كانت صلاة الجمعة في 22 يونيو من نفس العام خلال شهر رمضان، وكان يتم تدريس المذهب الإسماعيلي به خلال الحكم الفاطمي، حيث عين المعز لدين الله الفاطمي، القاضي النعمان بن محمد القاضي، مسؤولًا عن تعليم المذهب الإسماعيلي، وكان هناك اهتمام كبير بتعليم النساء حيث خصصت دورات منفصلة لهن بالمسجد، وبعد مرور عام على بناء المسجد تم ترسيمه بأنه الجامع الرسمي لصلاة الجماعة بالقاهرة، بأمر من الخليفة المعز خلال عيد الفطر عام 973م.

ومنذ العصر الفاطمي أصبح الأزهر مركزًا رئيسيًّا لتعليم القانون الإسلامي، حيث تم تعيين 45 عالمًا لإعطاء الدروس، ليكون بذلك الجامعة الرائدة فى العالم الإسلامي،  وشهد الجامع عددًا من التوسعات والترميمات خلال حكم الخليفة العزيز، وتم وضع باب خشبي على المسجد، وأضيفت إليه مكتبة احتوت على آلاف المخطوطات، لكن مع سقوط الدولة الفاطمية تحول الأزهر إلى مؤسسة سنية.

ارتباط الاسم بالحاكم

ترجع بداية تأسيس مدينة القاهرة إلى القائد الفاطمي جوهر الصقلي، بعدما شيدها لتكون مقرًّا للخلافة الفاطمية؛ وأطلق على المدينة اسم «المنصورية» وسمي الجامع بالاسم ذاته نسبة إليها، ومع دخول الخليفة المعز لدين الله لمصر غير اسم المنصورية إلى القاهرة ليتحول إلى جامع القاهرة.

وفى الفترة ما بين عهد الخليفة المعز ونهاية عهد الخليفة الفاطمي الثاني بمصر، العزيز بالله، سمي بـ«جامع الأزهر» نسبة إلى السيدة فاطمة بنت النبي محمد «صلى الله عليه وسلم» وزوجة الخليفة علي بن أبي طالب، باعتبار أن الدولة الفاطمية من سلفهم، وهناك رواية أخرى عن سبب التسمية ترجح أن الاسم مشتق من الأسماء التي قدمها الخلفاء الفاطميين إلى قصورهم القريبة من المسجد، والتي سميت بشكل جماعي بالقصور الزاهرة تيمنًا بالحدائق الملكية بها.

تراجع دوره

شهد الجامع بعد ذلك حالة من الإهمال والتجاهل من قِبَل الحكماء، ففي الحكم الأيوبي حظر الصلاة بالأزهر، وكان مسجد الحاكم الأكبر هو المكان المخصص لصلاة الجماعة بالقاهرة، لكن أثناء حكم المماليك تم إعادة تأسيس الصلاة بالأزهر بأمر من السلطان بيبرس عام 1266، وكانت قد حرمت في عهد صلاح الدين بسبب التعاليم الشافعية التي ينتمي إليها.

وفي عام 1302 لحقت بالأزهر أضرار جسيمة بسبب الزلزال آنذاك، وأسندت مهمة إعادة ترميمه إلى الأمير سالار، فتم بناء المدرسة الأقبغاوية على طول الجدار الذي يقع في الشمال الغربي من المسجد، بالإضافة إلى إزالة أجزاء من جدار المسجد لاستيعاب المبنى الجديد، وتم بناء مدرسة أخرى سميت بـ«المدرسة الطيبرسية»، وبني هيكل المسجد، نافورة للوضوء، حتى اكتملت كل المباني المكملة للأزهر.

الأزهر يستعيد مكانته أثناء الحكم العثماني

كان العثمانيون يحاولون أن يسيطروا على القاهرة؛ لأنهم أولوا الأزهر مكانة كبيرة، حيث استعاد مكانته كأول مدرسة لتعليم الدين بمصر والعالم العربي، بخلاف المدارس التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي، وكان هناك ارتباط بين الأزهر والعلماء الذين بدورهم كانوا يؤثرون على الحكومة بصفة مستمرة، فأول تولى مشيخة الأزهر عبد الله الشبراوي، التابع للمذهب الشافعي وليس من المذهب المالكي، ثم عين بعده سالم البشري.

ارتبط الأزهر بالسياسة، حيث كان له دور رئيس فى الاحتجاجات ضد الحكم العثماني على مصر، فأقيمت الاحتجاجات الطلابية من داخله، وكانت تغلق المحلات التجارية بمحيط المسجد أحيانًا تضامنًا مع الطلاب، وكان العلماء فى كثير من الأوقات يدخلون في تحد مع الحكومة.

موقف الأزهر خلال الغزو الفرنسي

عندما جاء نابليون إلى مصر أثناء الغزو الفرنسي سنة 1798 ألقى خطب في الإسكندرية حتى لا يخسر الشعب المصري والإمبراطورية العثمانية، معلنًا فيها عن احترامه لهم، ومنها: «سوف يقال لشعب مصر إنني جئت لتدمير دينكم: لا أعتقد ذلك! إجابتي على هذا لقد جئت لاستعادة حقوقهم ومعاقبة المغتصبين والمماليك، أنا أحترم الله ورسوله والقرآن.. أليس نحن الذين كنا على مر القرون أصدقاء للسلطان؟».

وشكل نابليون أول هيئة رسمية من المصريين مكونة من تسعة شيوخ للأزهر المكلفين بإدارة القاهرة، وهي أول هيئة رسمية من المصريين منذ بداية الحكم العثماني، وقد سعى نابليون أيضًا لفتوى من أئمة الأزهر بجواز الولاء لنابليون بموجب الشريعة الإسلامية، لكن بدون جدوى.

فصل المسجد عن الجامعة

عقب ثورة 1952م التي قام بها الضباط الأحرار، تم فصل الجامعة عن المسجد وتم إنشاء كليات رسمية للجامعة بموجب القانون الذي نص على «على فصل الأدوار المزدوجة للمؤسسة التعليمية والمؤسسة الدينية التي لقيت آذانًا صاغية في جميع أنحاء العالم الإسلامي» والذي صدر عام 1961، وتم إنشاء كليات الطب والهندسة والاقتصاد داخل الأزهر، وزاد عدد الطلاب المقبلين على التعلم والالتحاق بجامعة الأزهر.