جامع الحاكم بأمر الله.. كعبة القاهرة

على بُعد خطوات من باب الفتوح أحد أبواب القاهرة القديمة بحي الجمالية، يقع جامع الحاكم بأمر الله ثاني أكبر جوامع القاهرة إتساعًا، إذ تبلغ مساحته16200 متر مربع، بمجرد دخولك من بوابة الجامع الخشبية الضخمة والتي يبلغ عرضها ثلاث أمتار ويتجاوز إرتفاعها خمسة أمتار، تشعر بأنك في عالم آخر، منعزل عن ضجيج العاصمة وزحامها، عالم أكثر إتساعًا من كونه مجرد مكان مخصص للصلاة؛ فساحته الكبيرة المفتوحة على السماء، وأسراب الحمام التي تطوف فيها، وزائريه من مختلف الطبقات والأعمار والجنسيات المتناثرين حول أعمدته الكثيرة، كل ذلك يخلق حالة من الألفة والسكينة والبهجة التي تمنح للعبادة والإيمان معانى أكثر رحابة وتدفع للتفكر في الله والطبيعة والإنسان بصورة مغايرة.

هندسة الجامع

يبلغ عمر الجامع أكثر من ألف عام، وقد بدء تشييده في شهر رمضان عام 380هـ / 990م، خلال فترة حكم العزيز بالله ثاني الخلفاء الفاطميين، وأثناء فترة بناءه توفي الخليفة وتوقفت أعمال البناء حتى أمر الخليفة الجديد “الحاكم بأمر الله” استكمال أعمال البناء مرة أخرى لتنتهي عام 402 هـ / 1012 م، وفي العام التالي لاكتمال بناءه أمر الخليفة الحاكم بإقرار التدريس في الجامع، حيث درس فيه الفقهاء الذين كانوا يدرسون في الجامع الأزهر، ويتكون مسجد الحاكم من عدة أروقة ويتميز بهندسته المعمارية الفريدة؛ حيث ينتمي لنمط الجوامع ذات الصحن المكشوف المحاطة بأربعة أروقة أكبرها وأوسعها رواق القبلة، وهو مستطيل الشكل، ويتوسط الصحن فسقية رخامية وهى فسقية الوضوء كما يوجد في كل من الركن الشمالي الغربي والجنوبي الغربي حوض دائري للوضوء.

يضم الإيوان الجنوبي الشرقي للجامع خمسة أروقة وبكل رواق سبعة عشر عقدا ويقابله الإيوان الشمالي الغربي ويتكون من رواقين وبكل رواق سبعة عشر عقدا أيضا، بينما الإيوانين الشمالي الشرقي والجنوبي الغربي يتكون كل منهما من ثلاثة أروقة محمولة على أكتاف تشبه أكتاف الجامع الطولونى إذ توجد في الأركان الأربعة لكل كتف أعمدة مثل أعمدة كبيرة، وقد كانت جميع العقود مغطاة بسقف مسطح من الخشب، وكانت الأعمدة مكسوة بألواح مزخرفة بنقوش محفورة في الخشب، وكان للجامع تسعة أبوب، خمسة منها في الواجهة الغربية واثنان في الشرقية، وواحد في كل من الجدارين الغربي والجنوبي، ويُمثل المدخل الرئيسي البارز بالواجهة الغربية أقدم أمثلة المداخل البارزة بمصر، ويشبه مدخل القلاع والحصون، ولم يتبق من هذه الأبواب سوى الباب الرئيسي الموجود الآن والمطل على شارع المعز.

شاهد على التاريخ

شهد الجامع العديد من التغيرات والأحداث التاريخية، من أبرزها دخول المسجد داخل أسوار القاهرة بعد أن كان يقع خارجها، وذلك بعد قرارالخليفة المستنصر بتجديد سور القاهرة الشمالي؛ فتم توسعة الجامع وصار مجاورًا لباب الفتوح، وفي سنة 702 هجريًا، تسبب زلزال شديد في تدمير أجزاء كبيرة من المسجد، فأمر الناصر بن قلاوون بتجديده وإقامة سقوف للجامع، وأوقف عليه كثيرا من الأوقاف، تعرض المسجد في القرون التالية للإهمال والازدهار، ومع دخول الحملة الفرنسية لمصر، كان الجامع مهمل للغاية، فإستولى عليه الفرنسيين وأصبح مقرًّا رئيسيًّا لجنود الحملة، وتحولت مأذنتاه إلى برجي مراقبة، وفي الفترة التي أعقبت خروج الحملة الفرنسية تحول جزء من المسجد إلى مجموعة ورش لصناعة الزجاج، وفي أواخر القرن الثامن عشر حولت وزارة الأوقاف المكان الى مخزن ثم تحول الى متحف إسلامي للحفاظ على التراث العربي الإسلامي من سرقات الوفود الأوروبية في ذلك الوقت، وأطلق عليه اسم “دار الآثار العربية” وكان يُعتبر أول متحف إسلامي من نوعه، حيث جُمِعَت التحف من المباني الأثرية الإسلامية للحفاظ عليها من السرقة وتجار العاديات من أوروبا.

في أوائل القرن التاسع عشر نُقلت التحف إلى مبنى جديد بباب الخلق أُعد خصيصًا ليكون متحف للفن والمقتنيات الإسلامية سُمي “متحف الفن الإسلامي” ، ثم تحول الجامع إلى مدرسة ابتدائية عُرِفَت بمدرسة “السلحدارالابتدائية ”، ومع إقامة المدرسة أصبحت أروقة المسجد فارغة، لينتهى بها الحال إلى مخازن لتجار المنطقة المحيطة بالجامع، وظلَّ الجامع على حالته مُعطل الشعائر إلى أن قامت لجنة حفظ الآثار العربية بإصلاحات محدودة في بعض أجزاء منه، وفي سبعينيات القرن الماضي تقدمت طائفة “البهرة” وهم مسلمون متواجدون في الهند وباكستان بطلب للحكومة المصرية لتطوير وترميم الجامع، وذلك يرجع إلى مكانة “الحاكم بأمر الله” عندهم والتي تصل إلى درجة القداسة، وتم إزالة المدرسة التي كانت بصحن الجامع، وتنفيذ عملية تطوير وترميم للجامع، وتُركت المأذنتين على حالهما، فلم تمسهما أعمال الترميم أو التطوير، لتصبحا شاهدتان على تاريخ عمره ألف عام وأكثر، ومنذ افتتاح المسجد وحتى الآن تتولى الإشراف عليه طائفة “البهرة” التي تنفق بسخاء على نظافته والحفاظ عليه، ويأتون كل عام لزيارته في طقس يشبه الحج.

البهرة

عشرات الرجال والنساء والأطفال من مختلف الأعمار يسيرون في شارع المعز متجهين إلى جامع الحاكم بأمر الله، الرجال يرتدون جلاليب بيضاء قصيرة وتحتها سروايل بيضاء أيضًا بالإضافة لعمامة بيضاء صغيرة، بينما النساء ترتدين خمار وجلباب مصنوع من ألوان زاهية، ويقيمون صلاتهم في أحد أركان المسجد ويعقدون بعض الدروس عقب صلاة المغرب والعشاء متحدثيين بلغتهم غير العربية. هذا المشهد لطائفة “البهرة” واحد من المشاهد البارزة التي ميزت شارع المعز في السنوات السابقة لثورة 25 يناير 2011، لكن عقب الثورة ومع همينة القوى الإسلامية المتشددة على المشهد العام، تعرض البهرة لتضييق واضطهاد كبير.

و”البهرة” كلمة هندية معناها التجار، وتتركز هذه الطائفة في الهند وباكستان، وهي إحدى الطوائف الشيعة الإسماعيلية التي انتصرت لإمامة أحمد المستعلي الفاطمي ضد أخيه نزار المصطفى لدين الله، وذلك بعد وفاة والدهما الخليفة المستنصر بالله الفاطمي، وللبهرة طقوس يمارسونها بالجامع منها تجمع الرجال والنساء في صلاة واحدة في ركن خاص بهم بالمسجد، بالاضافة لملابسهم شبه الموحدة، ورغم إجادة كثير منهم للعربية لكنهم يتحدثون بلغتهم الأم، ويحرصون على عدم الاحتكاك بزائري الجامع.