بحر من حبر لا يسرق من الأرض روحها وروحنا

لطالما ارتبطت العلاقة مع الأرض، ولا سيما عند العرب، بعلاقة الإنسان مع ذاته. ربما لهذا السبب، نجد الأرض حاضرة دوما في تراثنا الأدبي وفي مخزوننا الثقافي. قديما قيل “الأرض هي العرض” في توصيف القيمة المعنوية التي تمثلها الأرض بالنسبة إلينا، وفي تصوير ما يمكن ان نفعله دفاعا عنها وصونا لها.

الكثير من حكاياتنا الشعبية واعمالنا الفنية تمحورت حول هذه العلاقة التي نتوارثها ولو كنا لا نملك قطعة منها.. هي علاقة عاطفية بشكل او بآخر، تبدأ بالحب، بالأمومة، بالأمان.. ولا تنتهي مهما أظلم الزمن أو ظلمتنا التسويات.
الأرض “الحبيبة”، في شعر محمود درويش، اتخذت دوما في لاوعينا روحا وحياة، وتحولت إلى كائن حي نحبه، نتمسك به، نخشى فراقه ونتمسك به.. ونأتمنه حضنا دافئا يلف الشهداء وربما يخفف عنا ألم الفقد إدراكنا انهم ذهبوا ليعيدوا لهذه الحبيبة، الأم، الطفلة حريتها.. من هنا، تجد اليوم في صوت المصريين تلك الغصة التي ترافق الحديث عن تخلي الدولة المصرية عن جزيرتيّ تيران وصنافير لصالح السعوديين.
هذه القضية التي احتلت حيّزا واسعا من الأخذ والرد، تمس كل متابع لها وإن كنا لا نملك الكثير من المعطيات القانونية ـ إن صح القول ـ حول حيثياتها، تجعلنا ندرك أن ما يجري هو اشبه بسلخ طفل عن حضن امه، سواء بيعا أو وهبا، الأمر سيان، ولا سيما أن لدى كل مصري قناعة راسخة بأن الجزيرتين هما أرض مصرية والتخلي عنهما للسعودية هو بمثابة ضربة تمس أولا الشعور الوطني، خاصة بعد انكشاف التموضع السعودي  ضد كل ما يتعلق بقضايا الحق العربي.
تحت عنوان، تيران وصنافير مصرية، عبّر المصريون عن كل ما شعروا به حيال هذا القرار. واللافت هو حجم الألم والخيبة في كل كلمة قيلت وكُتبت.. وذلك مفهوم. ومن يجد في الأمر مبالغة أو ثرثرة هو مجرد كائن منفصل عن فطرتنا كمشرقيين وكعرب، تلك الفطرة التي جعلت أرضنا تعيش فينا كما نحن نعيش عليها ومنها.. تلك الفطرة التي جعلت وتجعل الفلسطيني يجترح من الحجر سلاحا ويقاتل من أجل حرية الأرض التي هي حريته، ويستل من خلف ألف حصار سكينا دفاعا عن كرامة الارض التي هي كرامته.. تلك الفطرة التي حررت أرض جنوب لبنان وهزمت الجيش الذي لا يقهر وأعادتنا الى الجنوب المحرر آمنين، نقبل الأرض قبل أن نقبل أحبائنا هناك..
تلك الفطرة أيضا، صنعت أمجادا وبطولات تحمي ياسمين الشام من سيوف المرتزقة، الذين لا أرض لهم ولا انتماء مهما كانت جنسياتهم..
تلك هي مكانة الأرض في نفوسنا، لذا قلوبنا اليوم ترصد تيران وصنافير، ترفض كل الاتفاقات التي لا أصل لها ولا معايير منطقية، تكرر العنوان حول مصرية الجزيرتين وتنظر إلى التخلي عنهما تماما بالعين التي تنطر فيها إلى أي احتلال.. سواء تم باجتياح أو بتسوية، بسرقة أو بتنازل!
لا توقيع سيسقط عن حقول المرجان في تيران وعن صفاء الماء في صنافير مصريتهما، تماما كما لم يسقط الاحتلال مصرية سيناء..ولا اتفاقات ستنتزع من القلوب السمراء البحرية حقيقة أن الارض كائن حي، لا يتخلى عنا ما دمنا لم نتخلّ عنه، ولو بحرا من حبر كتب غير ذلك.