“الصالح طلائع”.. حارس القاهرة الفاطمية

في شارع “تحت الربع” بحي الدرب الأحمر، وبالتحديد أمام باب زويلة يوجد مسجد الصالح طلائع، محاطًا بسياج حديدي، وبالقرب من بوابته توجد يافطة صغيرة تراكمت العوادم والأتربة عليها وطمست جزء كبير منها، تُشير للانتهاء من ترميم المسجد. بمجرد عبور بوابة المسجد تطالعك السماء عبر صحنه غير المسقوف، وعلى اليسار توجد المنطقة المسقوفة من المسجد والمخصصة للصلاة، ويوجد بها منبر صغير ومحراب كتب في أعلاه آية قرآنية من سورة الحج “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”، وعلى اليمين يوجد مصلى السيدات، وهو مساحة صغيرة مستطيلة محاطة بستائر من القماش.

كباقي مساجد القاهرة الفاطمية لن تجد زحام في أي من الصلوات، هذه الحالة من الهدوء والعزلة التي تمنح زائري المسجد مساحة كبيرة للتأمل والإنتقال لعالم وزمن آخر من أزمنة القاهرة وتاريخها القديم، إلا أن عدم الاعتناء بنظافة المسجد فضلًا عن الرائحة الكريهة التي تنبعث في الجزء الشرقي من المسجد تُفسد هذه الحالة، فرغم الانتهاء من ترميم المسجد في عام 2007، بتكلفة بلغت 30 مليون جنيه، لكن ما تزال مياه المجارى وتلال القمامة تحاوطه من كافة الجهات، وخاصة في المنطقة الواقعة في الممر الخلفي الواصل بين المسجد ومدرسة الصالح طلاع الإبتدائية، والتي كانت ضمن مساحة البناء القديم للمسجد، وتم إقتطاعها وبناء المدرسة عليها.

تعكس الصورة الحالية لمسجد الصالح طلائع مدى سطوة وقدرة الزمن على تغيير أوجه الحياة؛ فالمسجد الذي بني كتحفة معمارية في عصر الدولة الفاطمية، وأطلق عليه “المسجد المعلق” لارتفاعه عن مستوى الأرض بأربعة أمتار، صار الآن أدنى من مستوى الشارع بعدة أمتار، وتم تفكيك وسرقة آثاره على مر العصور من أبواب وزخارف ونقوش مذهبة، وجفت آبار المياه التي كانت تقع في محيطه وكذلك الحدائق واقتطعت مساحات كبيرة من المسجد على مر التاريخ ليصبح في صورته الحالية ويتحول من حارس للقاهرة الفاطمية ورمزًا لها إلى مسجد مهمل يقف وحيدًا خارج أسوار المدينة القديمة، كشاهد أخير على ضياع القاهرة وانهيارها.

نشأة المسجد

أمر بإنشاء المسجد الوزير الصالح طلائع بن رزيك سنة 555، ليدفن فيه رأس الإمام الحسين، ولكن الخليفة الفاطمي الفائز بعد إتمام بناء لمسجد، قرر بأن رأس الإمام الشهيد يجب أن تكون في القصر، فأعّد له مشهدا خاصا داخل باب الديلم أحد أبواب القصر الفاطمي، سُمى المسجد على إسم الصالح طلائع الذي ظل يعتني بالمسجد حتى وفاته، وقد تميز بزخارفه ونقوشه وعمارته الفريدة وآبار المياه المحيطة به والتي كانت تستخدم للشرب والوضوء، ووجود أول ملقف بالعمارة الإسلامية فى مصر، يليه ملقف المدرسة الكاملية، ثم ملقف خانقاه بيبرس الجاشنكير، بالإضافة لسردابين أحدهما خلف المنبر ويؤدى إلى قلعة محمد علي، والآخر يؤدى إلى الجامع الأزهر.

كان للمسجد أربع واجهات مبنية بالحجر أسفل منها ثلاث حوانيت مازال بعضها متواجد حتى الآن، وتتميز الهندسة الداخلية للمسجد بوجود صحن مكشوف تُحيط به أربعة أروقة مسقوفة، أكبرها رواق القبلة الذي يشتمل على ثلاثة صفوف من العقود المحمولة على أعمدة رخامية، ويشتمل كل من الأروقة الثلاثة الأخرى على صف واحد فقط وجميع عقود الجامع محدبة الشكل ومبنية بالطوب، على حين بُنيت حوائط الجامع الأربعة من الخارج بالحجر ومن الداخل بالطوب، وهى ظاهرة إنفرد بها هذا الجامع.

إعادة البناء
على مدار تاريخه شهد المسجد تغيرات كبيرة في معماره، فقد تهدم معظم المسجد نتيجة الزلزال الذي ضرب القاهرة عام 702 هجريًا، وتم إعادة بناءه وترميمه، وبعد ذلك بنحو قرن ونصف جُدد المسجد مرة أخرى في أيام السلطان الأشرف قايتباي، وكانت الأرض قد إرتفعت عن منسوب باب زويلة وعن سلم المسجد، فقام الأمير يشبك بن مهدي دوادار السلطان بالعمل على إصلاح المسجد وترميمه من جديد، وعلى مدار القرون التالية تعرض المسجد لإهمال كبير.

ومع بداية القرن العشرين وجدت لجنة حفظ الآثار العربية المسجد في حالة سيئة للغاية؛ فالدكاكين أسفله احتجبت تحت الأرض، كما تهدمت الأروقة حول الصحن، ولم يبقي منها سوي رواق القبلة؛ فوضعت برنامجاً شاملاً لإعادة بناءه سنة 1911 م ، واستطاعت في سنة 1915 م هدم العديد من البيوت والعشش الصغيرة التي أقيمت على أرض المسجد، وتم إعادة بناء المسجد وترميمه مع المحافظة علي الأجزاء القديمة قدر المستطاع ، وقد ساعدت التخلية والوصول بالمسجد إلي مستواه الأصلي علي كشف سلم الجامع القديم بوسط الواجهة الغربية ، وانكشفت تفاصيل جديدة من نظام بناء الواجهات، ساعدت علي إعادة بناء الرواق الخارجي أمام الواجهة الغربية.

على مدار القرن العشرين تعرض المسجد للغرق بسبب مياه الصرف الصحي، وتأكلت أجزء كثيرة من حوائطه، حتى تم العمل على إعادة ترميمه مع بداية القرن الحادي والعشرين، وتم الإنتهاء من أعمال الترميم عام 2007، ضمن مشروع تطوير القاهرة الفاطمية والحفاظ على آثار شارع المعز، إلا أن غياب الصيانة والإعتناء بالمسجد جعله محاصر مجددًا بمياه الصرف الصحي وتلال القمامة.