السودان تتجه نحو واشنطن (مترجم)

أجرت السودان بعض التعديلات الرئيسية على موقفها الدبلوماسي خلال السنة والنصف الماضية، فقد تخلت عن علاقتها طويلة الأمد مع إيران، وتوجهت إلى السعودية والدول العربية الأخرى، وقد أدى هذا التحول إلى تحقيق مكاسب مالية بجانب مكاسب دبلوماسية في العالم الغربي، ولكن الجائزة الحقيقية للخرطوم هي تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، وهناك دلائل على أن السودان قد تكون قادرة على إحراز تقدم نحو هذه الغاية.

اتخذ الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، بعض الخطوات قبل مغادرة مكتبه، التي تتيح إمكانية قيام واشنطن برفع عدد محدود من العقوبات التجارية والاستثمارية المفروضة على السودان منذ سنوات.

الحكومة الأمريكية التي يقودها الرئيس الحالي دونالد ترامب تشير إلى أنها ستقيم التقدم الذي أحرزته السودان في مجال حقوق الإنسان، بعد فترة استعراض ومراجعة  لمدة ستة أشهر.

من الممكن أن تمثل هذه النتائج أكبر خطوة في السودان حتى الآن، لتحسين علاقتها التاريخية مع الولايات المتحدة، حيث ستستفيد الخرطوم بشكل كبير من فرص التجارة والتعاون العسكري والاستثمار، والتي ستكون ثمرة رفع العقوبات الأمريكية.

وعلى الرغم من أن هذا التقييم الإيجابي لن يعمل على تقدم البلاد سوى خطوات محدودة على طريق التطبيع، فقد يمحو القرار السلبي هذا المسار بشكل كامل.

قبل نهاية شهر يونيو، ستقدم مختلف الوكالات الأمريكية لترامب تقارير بشأن التقدم الذي حققته السودان، وبالإضافة إلى حقوق الإنسان، من المتوقع أن تتوقف السودان عن الأعمال العدائية الداخلية، بما في ذلك دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وبناء عليه ستخفف الولايات المتحدة بعض العقوبات التجارية والاستثمارية.

ولكن ذلك سيبعد السودان عن التطبيع الحقيقي مع الولايات المتحدة، حيث لا تزال على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ 20 عامًا تحت قيادة الرئيس عمر البشير، بجانب بقاء عقوبات كثيرة، بما في ذلك الحد من صادرات الأسلحة والمساعدات الأمريكية المحتملة.

في نظر الولايات المتحدة، لا تزال السودان غير واضحة، ولكنها قطعت شوطًا كبيرًا لتحسين علاقتها مع واشنطن، وعلى الأخص بقطع علاقتها مع إيران لصالح أمريكا وحلفائها.

كانت السودان حليفة إيران منذ انقلاب عام 1989، والذي جلب البشير إلى السلطة، ووجهت إليه فيما بعد تهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، مما أضر بعلاقته مع الولايات المتحدة، وبالتالي اتجه إلى إيران.

بعد أحداث 11 سبتمبر قامت السودان بحملة داخلية ضد العناصر المتطرفة، مما دفع المتشددين في البلاد إلى اتهام الحكومة باسترضاء الولايات المتحدة، وفي عام 2011، وبعد عقود من الحرب الأهلية، انفصلت جنوب السودان لتصبح دولة مستقلة وسط احتفاظها باحتياطات نفط كبيرة، وتركت السودان في ضائقة مالية شديدة.

منذ ذلك الوقت يعاني الاقتصاد السوداني، وقد تدخلت السعودية للاستفادة من الوضع، وسارعت للاستثمار في الخرطوم، ودعمتها عسكريًّا في مقابل مشاركتها في حرب اليمن، وبحلول عام 2016، قطعت السودان علاقتها رسميًّا مع إيران، وانضم جيشها إلى التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن.

ومع دراسة الولايات المتحدة لدورها في حرب اليمن حيث مساعدة السعودية جويًّا واستخباراتيًّا، تتواجد القوات السودانية بالفعل في ساحة المعركة.

للأسف قضية تخفيف العقوبات من قبل الولايات المتحدة لا تعتمد كليًّا على موقف الخرطوم الجديد من المجتمع الدولي، حيث إن على السودان احراز تقدم في مجالات أخرى، وعلى وجه التحديد وقف الأعمال العدائية والصراعات الداخلية في البلاد، فالعديد من الجماعات المتمردة منذ فترة طويلة تقاتل حكومة البشير، وتحت حكمه اتهمت السودان بالانخراط في عدد من انتهاكات حقوق الإنسان، خاصة ضد شعب دارفور.

وعدت الحكومة أحزاب المعارضة بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وحتى الآن لم يتم ذلك، وزعماء المعارضة غير متفائلين.

لا توجد إجابة واضحة على قرار واشنطن، فرغم إحراز السودان تقدمًا في مجالات حقوق الإنسان، إلا أن الولايات المتحدة تراه أمرًا غير كافٍ، حيث لا بد من وقف أعمال العنف داخل البلاد.

التطبيع الحقيقي للعلاقات مع الولايات المتحدة سيظل بعيدًا عن متناول السودان، طالما ظل البشير في السلطة، وقد اتضح ذلك عندما رفضت واشنطن حضور البشير القمة الأمريكية الإسلامية في الرياض.

بالتأكيد حقبة ما بعد البشير قادمة، حيث أعلن عن تنحيه في 2020، ومن المهم بالنسبة للسودان أن يكون انتقال السلطة إلى زعيم جديد مستقرًّا، وهذا يتطلب حوارًا وطنيًّا كبيرًا، فالسودان لم تسترد نفسها كاملًا، ولكن تخفيف العقوبات عن البلاد يقطع شوطًا طويلًا نحو تعزيز التغييرات اللازمة، حتى تتمتع بعلاقات طبيعية مع واشنطن.

المقال من المصدر: اضغط هنا