الزمن السعودي| بعد تيران وصنافير.. البحر الأحمر منطقة نفوذ إسرائيلية-سعودية؟

لم تكن صفقة تيران وصنافير مجرد اتفاقية ترسيم حدود متنازع عليها بين دولتين، ولكنها انتصار وحيد للسياسة الخارجية السعودية، التي لم تحقق أي إنجاز لها طيلة العاميين الماضيين سوى حصول ترامب على 480 مليار دولار مقابل خطاب معاد إنتاجه. فتداعيات هذا “الإنجاز” السعودي لا تقف عند حد توفير مقومات جيوستراتيجية تستطيع الرياض من خلالها ترسيخ نفوذها الإقليمي و الذي قام على المال السياسي في معظمه والمظلة السياسية والعسكرية الأميركية، والتي ستستمر بعد تقلصها للحدود الدنيا في عصر ما بعد النفط وفق ما ستستطيع المملكة تحقيقه من مكتسبات قوة إقليمية تتوافق مع المصالح الأميركية، التي فيما يبدو دور مصر فيها لا يتخطى على مستوى الصراعات الإقليمية والدولية دور التابع  للسياسات السعودية، وهو دور لا يجد القائمين عليه غضاضة في التنازل عن مقوم جيوستراتيجي حيوي وهام مثل جزيرتا تيران وصنافير، ازدادت أهميته في السنوات الأخيرة كونه معبر جغرافي لتحول كبير في تاريخ المنطقة يحلو للبعض تسميته بـ”صفقة القرن”.

بنظرة سريعة للوراء على مسار توتر العلاقات بين مصر والسعودية خلال العامين الماضيين نجد أن جزيرتا تيران وصنافير لم يكونا ضمن أسباب التوتر، بل أن صفقة “ترسيم الحدود” التي وقعت في إبريل العام الماضي إبان زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز للقاهرة، لم تكن سوى محاولة تسوية الخلافات ووأد أسبابها في مهدها، والتي تمثلت بشكل خاص في ميل سلمان ونجله محمد للتحالف مع قطر وتركيا والإخوان، وبشكل عام تهميش ما تبقى لمصر من نفوذ إقليمي والاستحواذ عليه، مقابل المساعدات التي تحصلت عليها القاهرة من الرياض في السنوات الماضية، وما يتبع ذلك من تذيل مصر للسياسات السعودية بشكل يجعل سياسة مصر الخارجية مجرد تحصيل حاصل في إطار السياسات السعودية المتخبطة والعشوائية، والتي كان تحفظ مصر تجاهها  وتلكؤها في الانجرار لها في اليمن وسوريا نابع أنها عشوائية ومتخبطة وطفولية في أحيان كثيرة وبدون إشراف أميركي، وليس في إطار أن سياسات السعودية تأتي على حساب مصر بما في ذلك مقومات أمنها القومي، حتى وإن كان ذلك في إطار أن الوكالة الأميركية في الشرق الأوسط أضحى الصراع عليها خليجي-خليجي، وبالتالي وراثة نفوذ مصر الإقليمي أصبح جزء من هذا الصراع برضا الإدارة السياسية المصرية، التي رأت في التنازل عن تيران وصنافير مقابل معقول في ضمان ديمومة موقف الرياض الراهن ضد قطر وغلق باب الضغط السعودي بالمصالحة مع الإخوان؛ فليس من الطبيعي أن تُمرر الاتفاقية بهذه الطريقة المتعجلة التي تليق بصفقة مشبوهة أكثر من كونها اتفاقية ترسيم حدود، وتعود العلاقات المصرية-السعودية لأوج قوتها وعمقها بعد عامين من التوتر، فقط بعد أيام من حسم الرياض موقفها ومسايرتها للرؤية المصرية الإماراتية تجاه الدوحة وجماعة الإخوان ما جعل إرجاء التنازل عن الجزيرتين طيلة العام الماضي مجرد تأجيل مخطط وليس ناتج عن غضب شعبي وأحكام قضائية وانتهاك للدستور ضرب به البرلمان عرض الحائط، خاصة وأن إنهاء التوترات بين القاهرة والرياض جاء بإرشاد وإشراف “ترامبي” قبيل قمم الرياض، وهو ما ضمن ظاهرياً للقاهرة أن الانضواء تحت السياسات السعودية في المنطقة سيكون منظم وواعي ووفق رؤية أميركية تتقاطع معها أولويات القاهرة، وليس سياسات عشوائية متهورة منفردة كما كانت في العاميين الماضيين.

السؤال البديهي المشروع المتعلق بالسياق السابق، والمفترض أنه يختصر رؤية السلطة لسياساتها الخارجية وعلاقاتها مع القوى الإقليمية ومواقفها من المتغيرات الكبيرة المتسارعة على امتداد المنطقة هو: ماهي ضمانات القاهرة أن البوصلة السعودية تحت قيادة محمد بن سلمان –الذي يحلو له مناداته بالإسكندر الأكبر!- لن تتغير في المستقبل القريب بدافع من تطورات داخلية وإقليمية ودولية تبدو مؤقته –مثل بقاء  ترامب في البيت الأبيض ومسار مقاطعة قطر وتطورات الصراع على الحكم في المملكة- وأنها بالحد أدنى ستبقى متوافقة مع مصالح مصر للدرجة التي تناسب تنازل الأخيرة عن ورقة جيوستراتيجية هامة مثل تيران وصنافير، التي بدورها ستدفع دور الرياض الإقليمي للأمام على حساب الدور المصري في كافة الملفات والقضايا بما فيها العلاقات مع إسرائيل، وتكتفي مصر بموقع وكيل الوكيل في خارطة مصالح واشنطن ووكالة سياساتها في الشرق الأوسط؟

في الواقع، وطبقاً لمسار السياسات السعودية ورؤية حكامها للعلاقات مع مصر في العاميين الماضيين، فإنه لا توجد ضمانة لعدم تغير الموقف السعودي على المدى القريب سوى قبول مصر بكافة شروط المرحلة الجديدة من تاريخ العلاقات بين البلدين سوى قبول مصر لمعادلة علاقات قائمة على التبعية، وليس حتى على أرضية الشراكة –وإن كانت حتى تحت مظلة أميركية- والمصالح المتقاطعة. وليس هناك أدل على هذا الأمر إلا دعم الرياض للخرطوم وآديس أبابا ضد القاهرة، وبقاء تداعيات هذه المؤثرات المتعلقة بالأمن القومي المصري مرتهنة لمؤشر الخلاف أو التوافق بين دول الخليج، وامتداد ذلك إلى تبعية القرار السياسي الخارجي لمصر وارتهانه بمؤشر السياسات السعودية الهش القائم على شكل قَبلي بدائي طائفي في معظم الأحيان.

السؤال السابق واستشفاف إجابته السابق متعلق بمسار سياسي مؤقت متغير في منطقة وتيرة المتغيرات فيها سريعة للغاية، وبالتالي يمكن بمنطق سياسي نسبي القول أنها كأي سياسات متغيرة وغير مستدامة، فإذا تغير الموقف السعودي تجاه مصر بالسلب، فإن الأخيرة يمكن أن تجترح مسار يجابه هذا التغير ويتعامل معه. لكن فيما يخص قضية تيران وصنافير، فإن الأمر يتجاوز هذه البديهية إلى واقع مبني على أرضية مفادها تنازل مصر عن الجزيرتين يعني تخليها عن مقومات جيوستراتيجية شكلت أهمية مصر الإقليمية على مدار التاريخ، وخاصة التاريخ الحديث، وهي مقومات جغرافية ليس من الممكن تعويض خسارتها وفق ديناميكية سياسية متغيرة تنظر تحت قدميها!

على رأس هذه المقومات البحر الأحمر ونفوذ مصر التاريخي فيه، والذي يرتبط بشكل مباشر وغير مباشر بالعلاقات بين دول المنطقة سواء في شكل صراعات أو تنافس أو توافق؛ حيث شكل البحر الأحمر ساحة شد وجذب بين دول المنطقة وخاصة القوى المؤثرة فيها والمطلة على البحر الأحمر مثل السعودية وإسرائيل ومصر، وإيران والإمارات النافذتين مؤخراً إليه عبر التواجد العسكري المستجد في جنوبه وقبلهما إسرائيل ومحاولة مصرية لم تنجح، وعلاقة ذلك بالصراع والتباين والتوافق بين  مجموع الدول السابقة، بالإضافة لعلاقاتهم بالقوى الدولية المتنفذة بالتواجد العسكري على مدخله في باب المندب، وسباق القواعد العسكرية على سواحله الجنوبية في جيبوتي وإريتريا، وأخيراً السودان التي توفر للسعودية مؤخراً تواجد مستمر على السواحل الغربية للبحر الأحمر عنوانه التعاون العسكري المستجد بين البلدين، وعلاقة هذا الأمر  بالصراع بين الرياض وطهران التي كانت حتى قبل سنوات قليلة تحل محل الرياض في الخرطوم. وعلاقة السابق كله بالخلافات بين مصر والسعودية، وانعكاس ذلك على العلاقات بين السودان ومصر، والتحالف بين السعودية وإسرائيل وتعزيزه استراتيجياً بخلق حدود بينهما عبر ترسيم جديد للحدود –تيران وصنافير– تتشارك المملكة من خلاله مع الكيان الصهيوني منطقة نفوذ يبدأ من إيلات شمالاً وينتهي بباب المندب جنوباً.

هذا التوجه في مجمله، بخلاف كونه تفريط في قوة مصر الجيوستراتيجية، فإنه يتجاوز هذا إلى تفريط في أصل ثابت للدولة المصرية منذ ألاف السنين متمثل في نفوذ مصر على شرق البحر الأحمر، ليحل محله تسليم بوجود هيمنة سعودية- إسرائيلية على البحر الأحمر من جنوبه في اليمن وشمالاً حتى مضايق تيران ومنفذ وحيد لخليج العقبة تخلت عنه القاهرة للرياض وسعي دؤوب من الرياض لتعزيز تواجدها في شرقه جنوب السواحل المصرية عبر تعاونها العسكري مع الخرطوم. وهو ما يعني من زاوية الجغرافية السياسية والإستراتيجية حال تحققه بشكل كامل أنه تم ربط مصر جغرافياً بمحيط السعودية الحيوي، وأصبحت مصر مجرد حديقة خلفية للمملكة ونفوذها في محيطها الحيوي على حدودها الغربية. في السياق نفسه، نجد أن حيازة الجزيرتين من جانب السعودية وما يمثلوه من موقع استراتيجي مؤثر يجعل السعودية أكثر قرباً إلى إسرائيل من أي وقت مضى، فمعنى أن تحوز السعودية جزيرتين يقعا ضمن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، فإن المملكة أضحت طرفاً في المعاهدة بشكل فعلي وإن كان غير رسمي، وهو ما سيكون له أثر بالغ ودلالة ذات تأثير على مستقبل العلاقات السعودية-الإسرائيلية التي تشهد تحالفاً في الآونة الأخيرة. ليفتح هذا أفق جديد من الأسئلة الخطرة مثل ماذا لو تعرضت السعودية لاضطرابات وقلاقل داخلية أو خارجية تجعل إسرائيل وفق آلية التحالف الحالي مع السعودية وتطوره في المستقبل تحتل جزيرتا تيران وصنافير -تحت أي دعوى وأي مبررات لن تُعضل تل أبيب في اختراعها- وتصبح لها السيطرة المطلقة على خليج العقبة بعد تنازل مصر عن الجزيرتين للسعودية؟!