الدولة المصرية والأحزاب

 

فجر إعلان رئيس لجنة شؤون الأحزاب أن اللجنة بصدد إصدار قرار وشيك بحل الأحزاب الدينية فور صدور تقرير النيابة العامة ما فجر جدلا متجددا حول إيمان الدولة المصرية بفكرة العمل الحزبى من الأساس، سواء قامت تلك الأحزاب على أساس دينى أو وطنى.

نظريا على الأقل كل الأحزاب الدينية المقصودة، والتى تصل إلى 11 حزبا منها: النور والبناء والتنمية والوسط ومصر القوية هى أحزاب مدنية لم تمارس العنف ولم تدعو اليه، وإن تمسك بعضها بضرورة إبعاد الإخوان بطريقة ووسائل ديمقراطية واعتبار ما جرى فى 30 يونيو إعتداء على الديمقراطية، ما جعل الدولة تنظر إليها بريبة وتولى الإعلام تصويرها كطابور خامس للإخوان، بالرغم من حجم التناقضات الكبيرة بينها وبين الإخوان فى السلوك والتوجهات.

أولا تبقى مسألة حل الأحزاب أمرا قضائيا بحتا لا يجب أن تتدخل فيه لجنة شؤون الأحزاب، التى هى من بقايا النظام السابق، وتم إحياء دورها اتساقا مع شمولية يحرص عليها النظام السياسى الحالى، الذى يبدو أنه لا يؤمن إطلاقا بفكرة العمل السياسى ويريد تحويل البلد بالكامل إلى جيش من العاملين لخطة يكتبها وحده ويديرها وحده، بصرف النظر عن الخيال أو الفعالية أو القدرة التي تبدت فى كل الملفات التى أدارها النظام السياسى، وليس آخرها بالطبع قضية تيران وصنافير التى مارس النظام من خلالها ما نستطيع وصفة ببلطجة سياسية وقانونية، هدمت فكرة الدولة والدستور والقانون، عندما اعتبر حكما قضائيا يؤكد مصرية الجزيرتين مستندا الى دفوع ووثائق محكمة وصادرا من أرقى محكمة مصرية هو والعدم سواء، ومضى فى طريقه، بغض النظر عن فاعليته أو قدرته فالنظام لن يسمح لا بأحزاب دينية ولا بأحزاب مدنية، هو لن يسمح سوى بكيانات ورقية يخترقها الأمن ليفجرها إن أرادت أن تمارس السياسة حقا.

النظام لازال هو نفسه نظام يوليو الذى اعتقد أن الديمقراطية لم يحن موعدها بعد، وعارض هذا التصور إنجاز الطبقة المتوسطة في يناير، التى ظل كل نظام يأتى يعاديها ويحرص على إنهاكها بكل السبل، قبل أن يحاول النظام الجديد القضاء عليها تماما بإعادة معادلة ما قبل يوليو، أقلية تملك كل شىء وتبصم على كل توجه أو قرار، وأغلبية تكافح للبقاء فقط على قيد الحياة.

فى ظل هذه المعادلة لن يسمح النظام ببروز حزب حقيقى دينيا كان أم مدنيا،هو أجهز على القوة التى كانت تهدد وجوده وتملك قواعد فى الشارع، ولديها التزام تنظيمى، حتى لو كانوا يسمونه السمع والطاعة، جماعة الحكم الجديدة لا تؤمن أيضا سوى بالسمع والطاعة، لافرق بين الجماعتين سوى فى لون اللباس أخضر أو كاكي، المنهج واحد والتوجه والسلوك واحد وأظن أيضا أن المآل واحد إن طال الزمن أو قصر.

لابد أن تدخل الأحزاب فى قاموسها وسائل جديدة للمعارضة تتجاوز هذا المربع البائس ،الذى تقف فيه هناك وقائع متواترة أكدت أن النظام السياسى لم يعد أمينا على مصالح الشعب ولم يعد قادرا على رعايتها رعاية كاملة كما أقسم دستوريا، وهو ينتهك الدستور من اللحظة التى وصفه فيه بالدستور الطموح

عندما أتحدث عن الأحزاب السياسية فأنا لا أقصد بالطبع ثمانون حزبا قد لانعرف اسم واحد منها، بل أتحدث عن القوى الاجتماعية التى ظلت ممثلة حزبيا فى أحزاب لها تاريخ وأن استدركنا عليها فى همتها أو سلوكها فى مواجهة النظام، أقصد التيار الليبرالى ويمثله الوفد والدستور والديمقراطى الاجتماعى، واليسارى ويمثله التحالف الشعبى والكرامة والتجمع إذا بقيت لديه أى همة أو حتى أعضاء، والإسلامى وأعنى مصر القوية والوسط والنور، والقومى الذى يمثله الحزب الناصرى، هذه القوى مدعوة أن تصدق مع نفسها ومع شعبها وتخرج لتشكل معا جبهة وطنية جديدة تعلن مطالبها لإصلاح البنيان السياسى المصرى، والخروج من هذه الثنائية التى أفقرت البلاد وأنهكت العباد بين حكم جماعتين، تدعى واحدة احتكار الدين وتدعى الأخرى احتكار الوطنية، والاثنان أنهكا الدين واحتقرا الوطنية.

أتصور أن الخطوة الوحيدة التى قد تحفظ لهذه الاتجاهات الفكرية والسياسية الأربع ما تبقى من مكانة فى النفوس أو التاريخ، هى أن تنتظم فى جبهة سياسية واحدة تضع خارطة طريق تحتاجها مصر، لا تمر عبر عمل ثورى لا تسمح به ظروفنا ولا أن تكون جزءا من ديكور دولة لم تتحقق بعد شروطها.

لا أحزاب قبل إقامة نظام عادل وراشد لن تنتزعه سوى جبهة وطنية واسعة تضع كل قضية من قضايانا الوطنية فى حجمها وتوقيتها الصحيح.

لا أحزاب قبل إصلاح ملعب السياسة، وإيجاد نظام يقبل بتداول السلطة، يرى الأحزاب جزءً من النظام السياسى وليس عدوا ينبغى إنهاكه وإخضاعه طوال الوقت.

مصر تتألم مرارة ومذلة، وهى لم تكن يوما من الأيام فى هذا الحال، الذى يترك الحليم حيران والدواء الوحيد لأوجاعها أن تتقدم تلك الجبهة لتغير قواعد هذه اللعبة البائسة.