الخلاف الخليجي وسوريا.. المعارضة تتشرذم سياسيًّا وعسكريًّا

في الوقت الذي تنهي فيه الأزمة الخليجية المتمثلة في المقاطعة القطرية أسبوعها الثاني على التوالي دون وجود مؤشرات أو بوادر لانفراجه قريبة رغم تعدد القوى الوسيطة بين الإمارات والسعودية والبحرين من جانب وقطر من جانب آخر، بدأت تلك الأزمة تلقي بظلالها على القضايا الإقليمية التي كانت تتوحد فيها رؤى طرفي النزاع، أبرزها الأزمة السورية، حيث أوضحت العديد من المؤشرات أن الأزمة الخليجية الراهنة ستؤثر حتمًا على تماسك المعارضة السورية سياسيًّا وعسكريًّا، في الوقت الذي تقترب فيه انطلاق الجولة السابعة من مفاوضات جنيف.

استقالات وتصدعات

أرسل عدد من أعضاء الهيئة العليا للمفاوضات السورية ببيانات انسحاب من الهيئة، منددين بالتجاذبات السياسية داخلها، والغموض الذي يكتنف حراك الهيئة واتباع سياسة المحاصصة لا الكفاءات، حيث توجه كل من رئيس اللجنة القانونية في الهيئة، محمد حسام حافظ، وكذلك الرئيس السابق للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، معاذ الخطيب، برسالتين، لأمين سر الهيئة العليا للمفاوضات، صفوان عكاش، أعلنا فيها انسحابهما.

وأوضح حافظ في رسالته، أنه انسحب بعد تفكير واستعراض لمسيرة الهيئة العليا التي امتدت لأكثر من سنة وسبعة أشهر، وما آلت إليه الأمور نتيجة لأمراض عدة يعاني منها هذا الجسم، مثل التفرد في تحديد التوجهات الأساسية، والتخبط والبعد عن الاحترافية في صنع القرارات التي تراوح كثير منها ما بين الإفراط والتفريط بمقاربات مبسطة لا تتناسب مع تعقيدات المشهد، وكذلك الإصرار على المحاصصة بما في ذلك طريقة تشكيل الوفد المفاوض.

في الإطار ذاته، انتقد الخطيب في رسالة الهيئة، قائلًا، إن «فخاخًا عديدة مررت تحت غطائها سواء في أستانا، التي كانت فخًا للفصائل العسكرية وقع فيه متحمسون ترفعوا عن استشارة كل القيادات العسكرية النظامية، وكذلك موضوع المناطق الآمنة الذي يظنه البعض رحمة بشعبنا وهو شرعنة للتقسيم وتناهب الدول لأرضنا، كما أن الآلية التشاورية التي ألهى ديمستورا بها الهيئة العليا عن مباحثات الانتقال السياسي هي فخ آخر، وأوضح الخطيب أن «هناك ضبابية في اتخاذ القرارات، وعدم شفافية في التعامل، واتخاذ مواقف متعاكسة محيرة بشكل مستمر، وعدم وضوح الرؤية، كما أن هناك غموضًا يكتنف حراك الهيئة وطرق خفية في اختيار الوفود التي لا تقوم على الكفاءات بل المحاصصات».

في الوقت ذاته، أكدت أوساط مقربة من الهيئة العليا للمفاوضات أن الرياض بصدد تنظيم مؤتمر جديد لأطراف في المعارضة السورية في الأسبوع الأول من يوليو المقبل، من أجل وضع هيكلية جديدة للهيئة العليا تحل محل الهيئة الحالية للمشاركة في محادثات جنيف، وشددت هذه الأوساط على أن السعودية تنوي في هذا المؤتمر استبعاد الشخصيات المدعومة من قطر وممثلي الإخوان المسلمين، على ضوء الأزمة القائمة حاليًا بين أكبر مرجعين وداعمين أساسيين للهئية، السعودية وقطر، كما أرجع بعض المحللين الاستقالتين اللتين تقدم بهما كل من معاذ الخطيب ومحمد الحافظ من الهيئة العليا، إلى الضغط لفرط انعقاد الهيئة الحالية التي يترأسها رياض حجاب، المدعوم من قطر.

محاولة نأي بالنفس

منذ بداية الأزمة الخليجية رفضت الهيئة العليا للمفاوضات برمتها التعليق عليها أو على تأثيراتها المحتملة على الأزمة السورية، حيث اكتفى مسؤول بفصيل معارض في الغوطة الشرقية قرب دمشق، بالقول، إن «قطر والسعودية وتركيا والأردن والإمارات من الدول الداعمة لثورة الشعب السوري ووقفت مع معاناته منذ سنوات» حسب زعمه، متمنيًا أن «تكون هذه الخلافات سحابة صيف»، فيبدو أن أعضاء هذه الهيئة انشغلوا خلال الأيام الماضية بترتيب أوراقهم السياسية من جديد، بعد أن انقسمت الدول الداعمة لهم بشكل أساسي منذ بداية الأزمة السورية قبل ست سنوات.

كل تلك العثرات المتلاحقة أحرجت الهئية وأظهرت حقيقة أنها دمية في أيدي القوى الإقليمية الفاعلة في الأزمة السورية، وعلى رأسها تركيا والسعودية وقطر، بعد أن حاولت الهيئة خلال السنوات الماضية من عمر الأزمة السورية إظهار نفسها على أنها مستقلة وتمثل لسان حال المعارضيين السوريين فقط وليس القوى الإقليمية الخارجية.

تأثيرات سياسية وعسكرية

تأتي تلك التصدعات وحالة الانقسام التي تعيشها المعارضة السورية في الوقت الذي أعلن فيه المكتب الصحفي للمبعوث الأممي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، أنه من المقرر أن تنطلق الجولة السابعة من المحادثات السوريةـ  السورية في جنيف، يوم 10 يوليو المقبل، حيث من المقرر أن يصل المدعوون إلى جنيف يوم 9 يونيو، الأمر الذي من المؤكد أنه سيضعف من مكانة المعارضة في المحادثات المقبلة التي عجزت في الأساس طوال سنوات الأزمة عن تحقيق أي تقدم يذكر في المفاوضات السياسية؛ نظرًا لما يشوبها من خلافات على الزعامة والدعم ومناطق النفوذ.

على الجانب العسكري فمن المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة مواجهات دامية بين المسلحين المدعومين من قطر وتركيا وآخرين مدعومين من السعودية، ففي شمال سوريا، تعد الفصائل المدعومة من قطر وتركيا الأكثر نفوذًا مثل حركة أحرار الشام، ويطغى على الغوطة الشرقية قرب دمشق فصيل جيش الإسلام المدعوم من السعوديين، وفي جنوب البلاد تنشط فصائل تلقت تدريباتها من الأردن والولايات المتحدة، الأمر الذي قد يجعل الغوطة الشرقية ساحة معركة جديد بين السعودية وقطر؛ لكونها منطقة جغرافية صغيرة تتركز فيها فصائل معارضة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالدولتين الخليجيتين.