«البديل» في لقاء ثنائي حول التوءمة الفنية بين سميرة شفيق وإيهاب شاكر (1-3)

لم يكن مجرد لقاء ثنائي مع كاتبة وفنان.. بل ظاهرة فريدة، فقد حققا في مشوار حياتهما توءمة فنية وقبلها اجتماعية وروحية، وقدما ما أثرى الثقافة العربية عمومًا، وأدب الأطفال خاصة.

ورغم مرض الفنان العالمي، وتجهيزه للسفر إلى كندا للعلاج، إلا أنه لم يشأ بروحه الجميلة أن يرفض إجراء اللقاء، وفتح قلبه لنا، ونحن بدورنا لم نثقل عليه في اللقاء إلا ما أراد أن يقوله هو.. حيث إنه تحامل على نفسه.. نتمنى له الشفاء العاجل، وننتظر بشوق شديد عودته لافتتاح معرضه القادم.. وإلى نص اللقاء..

بينكما توءمة عجيبة.. سميرة ترسم بالكلمات، وإيهاب يكتب بالرسم. كيف وصلتما لهذه الروح الجميلة؟

سميرة: كنا نقيم في الخمسينيات حفلات في العائلات، فكان يُدعَى إيهاب وإخوته وأنا وإخوتي.

تعارفتما، وبدأت علاقتكما الاجتماعية.

إيهاب: كنا نتكلم بنفس اللغة.. ومتقاربين جدًّا في كل شيء.

سميرة: العائلات متقاربة.. العادات متقاربة، والمخ بالذات واحد.

إيهاب: كل عائلة سميرة ضباط.

سميرة: أنا جدي من الأم كان أول مدير مصري للمباحث الجنائية بعد الإنجليز. الأميرالاي مرقص بيه فهمي.. وكانوا يمنحون البهوية، ولم تكن مجرد كلمة نقولها له.

وكيف بدأ الاندماج الروحي الفني؟

سميرة: بعد فترة اتفقنا أن نتزوج. لم يكن في الاعتبار وقتها ماذا عندك وماذا عندي من تجهيزات الزواج وتعقيدات الحياة، مجرد أن فكرنا واحد، ونحب بعضنا، هذا كان كافيًا لأن نتزوج. وقبل أن نتزوج بشهر، أخبرني إيهاب أن إحسان عبد القدوس وعد بأن يصرف لنا شهرًا 80 جنيهًا بمناسبة الزواج.

إيهاب: إحسان كان “لذيذًا”، وكان يريد أن يرى من التي خطبتها. وقال لي “ما أصدقش ده.. لازم أنا أشوف”.

كيف نجح أستاذ إيهاب في أن يسحبك للمجال؟

سميرة: هو أعطاني فرصة، وكانت أعمالي تنشر كما هي بالضبط. فلما رجعنا من فرنسا سنة 76، رجعنا على مجلة “صباح الخير”. وفي العائلات البوليسية تتعلم عزة النفس بشكل فظيع.. يغرسون فيك الكرامة وعزة النفس.

وهذا ما حدث في مشروع المعونة الأمريكية AIDوشمسة ودانة.

سميرة: في أي شيء.. عندما عملت في مجلة “صباح الخير”، وجدت الناس يقولون: كل واحد يشغل زوجته معه. وكانت هي “الفَصُولة”. فكرت إما أني كفاءة وإما زوجة إيهاب وهم يجاملونني.

تنظرين لنفسك أنت.

سميرة: نعم أنظر لنفسي.. هل أنا فعلاً لي معنى، وما أكتبه له قيمة، أم أني زوجة إيهاب؟ لااا.. أنا أحب أن أرى هذا في ميزان، فقلت لإيهاب: لن أستمر في “صباح الخير”. وتركتها، وانتظرت لأعرف هل سيتصلون بي أم لا، فلم يكلمني أحد، وكانت عفت ناصر في دار الهلال محتاجة لمدير تحرير لمجلة ميكي جيب، يجيد اللغة الفرنسية.

يعني بالضبط عليك.

سميرة: بالضبط، وسيعطونني تقريبًا 30 جنيهًا، وقتها كنا عائدين من باريس مفلسين، بعد مغامرة إيهاب بإنتاج فيلم كارتون على نفقته تحديًا لمنع إعطائه المنحة الفرنسية.

في أي سنة كانت؟

سميرة: 77. رجعنا في 76، وعملت سنة في “صباح الخير”، ورحت لـ “ميكي جيب”. المهم وافقت، آهو شيء ثابت، واشترطت أن أعمل في “المصور” بجانب عملي، وقابلت فؤد حداد والناس الجميلة. وفي يوم استجمعت شجاعتي، ونزلت للأستاذ فوميل لبيب مدير تحرير “المصور” وقتها، وطلبت أن أعمل معه، فقال لي: ورِّينا حاجة من اللي بتعمليها.

مصرة على أن تعرفي مستواك.

سميرة: أريد أن أعرف وحدي.. المهم لما رجعت للبيت إيهاب قال لي: أنا هاجهز لك دوسيه، ولكن ما تزعليش؛ لأنه ممكن ما حدش يقرا الكلام.. قلت: سأجرب. المهم أخذت الشغل، ووضعته على مكتب فوميل، وثاني يوم جاءني تليفون منه، قال لي: من فضلك انزلي لي حالاً. نزلت له، قال لي: ده بالظبط اللي عايزه لـ “المصور”، وأنا وأنا وأنا. وظل يمدح فيَّ، وأنا مثل القط المذعور، فكنت أنهي الشغل لميكي، وأنزل أعمل شغل المصور. وكان فوميل لبيب مدير تحرير “جدع”، ويحمسك، يعني ساعات أقول له: معلش يا أستاذ فوميل بلاش الأسبوع الجاي، يقول لي: أنا سايب لك الصفحات فاضية.

تعرفين لماذا؟ لأنه قوي مهنيًّا.

سميرة: فكنت أروح الواحات وسيوة وأماكن كثيرة أكتب عنها، ساعات كان إيهاب يأتي معي. وبقيت في ميكي والمصور حتى جاء مكرم محمد أحمد، وكنت استكفيت من وظيفة مدير تحرير، وحاسة أنها مش سكتي، لكن في هذه الأثناء كان إيهاب يرسل رسومات لماجد.. رسومات وليست “استربس”.

هذا قبل شمسة ودانة؟

سميرة: قبل كل شيء.

إيهاب: لم يكن هناك أي شيء بالنسبة للاستربس.

سميرة: أحسست أني أريد أن أكتب قصة، فكتبت لماجد في البداية باسم أم شهد مرتين ثلاثًا.

لماذا؟

لأنه لم يكن ينفع أن تكتب نفس الاسم وأنت مدير تحرير مجلة منافسة. فلما جاء مكرم، قلت له أنا في ميكي، ولو عايزني أبقى عندك أول السنة، إما سأذهب إلى مجلة “حواء”؛ لأنهم كانوا يريدونني أن أعمل معهم. فقال لعفت: أمامك شهران تبحثين فيهما عن بديل لسميرة، وستكون معي أول السنة. وهكذا تفرغت لـ “المصور”، وتركت ميكي.

رغبتك الأساسية. ولكن لماذا “المصور”؟

سميرة: لأن هذا ما كان موجودًا عندي، وأنا كنت أريد الصحافة.. حلم حياتي، فتحقق في “المصور”.

إيهاب: كانت تكتب بدون رسم.

الأستاذ إيهاب تركك، ثم سحبك مرة واحدة، كيف حدث هذا؟

سميرة: آهو كده بقى.. بدأ إيهاب سنة 78 يطلبون منه شغل “استربس” لمجلة “ماجد”. فقال لي: ما تجرَّبي تكتبي ستربس للأطفال. قلت: ما أعرفش أكتب. قال لي: لا لا، أنا متأكد أنك ستعرفين. حاولي. فحاولت، وطلعت شمسة ودانة.

من أين استلهمتِ الشخصيات؟

سميرة: إيهاب كان راح أبو ظبي، ورأى السلحفاة على الشاطئ، والصقر، فقلت له ظريف، وأنا هاعمل بنتين.

سلسلة شمس ودانة طبعت في كتب بعد نشرها بماجد؟

سميرة: أول طبعة كانت أبيض وأسود سنة 89.

ما الفكرة أو الرسالة من شمسة ودانة؟

سميرة: أنا كنت طفلة صغيرة سمراء، وشعري “مكتكت”، فكان الكبار يزوروننا، ويقولون لي: أمورة قوي، بس لو كانت بيضا.. تسمع من الكبار كلامًا غريبًا جدًّا. والصغار يعلِّم فيهم هذا الكلام. فقلت أنا هاعمل بنوتة سمرا وشعرها “مكتكت”، وهي جميلة ومعتزة بجمالها، وهذا هو الجمال، أسمر وجميل، وبجوارها أختها بيضاء وشعرها سايح.

هنا مفاهيم نفسية واجتماعية.

سميرة: الجمال موجود في كل لون وفي كل شكل. فعملت دانة بنت سمراء معتزة جدًّا بجمالها، وتحب الجمال والفن. ده المفهوم النفسي. أما الاجتماعي فهو توصيل رسالة للعائلات التي تعمل في البلاد العربية، وأحيانًا يتركون الأطفال في مصر مع الجدود أو مع الأمهات، فكنت أريد تنمية نوع من الاستقلالية عند الطفل والاعتماد على النفس.
لماذا “دانة”؟ الطفل سيقول دانة مدفع.

سميرة: أنا سألت.. كنت أريد أن أسميها لؤلؤة، فقالوا لي لؤلؤة في الخليج تسمى دانة.

ولماذا أنَّثتِ شمسة؟

سميرة: لأن بنت الشيخ زايد اسمها شمسة، فأحببت أن أعطي الاسم الخاص بهم.

أفضل ما في الشخصيتين أنهما تتميزان بالعفرتة والشقاوة.

سميرة: والبنتان مختلفتان تمامًا.

وأن العمل بدون أي مضامين تربوية

لكن فيه التربية وفيه الجمال وفيه كل شيء.

هناك فرق بين أن أكسر التربية أو أعمل بها تخمة في العمل.

سميرة: شمسة بنت تحب الكتب، تحب أن تطبخ، ومثقفة، وتحب الاقتصاد، أنت تحدد الشخصية التي تريد أن تضعها.

أثرت نقطة مهمة.. الأجانب يبنون الشخصية، ويؤسسون عليها شغلهم.

سميرة: لكن أنا ممكن أعمل قصة خطرت ببالي، ولا دخل لها بهذا.. الشخصيات شغل المجلات.

ولكن هناك كتب تقدم شخصيات

سميرة: كتب استربس.

د. سوس مثلاً قدم شخصيات في كتب لا استربس، ويستعمل اللغة مثل المقامات عندنا.

سميرة: بالنسبة للشخصيات عملنا بعد شمس ودانة شخصيات كتيرة.

أهمها في رأيي الشخصيات التي تتكلم عن تراثنا

سميرة: هنونة وجدتها سونة.

إيهاب: ذهبت للمتحف المصري في التحرير على أساس أن أجد أحدًا يعرف حكايتي.. أني محتاج أشوف حاجات من التراث.

التراث اليوم يُمحى يا أستاذنا.

إيهاب: في المتحف كل شيء عيناي تقعان عليه كنت أتفحصه جيدًا.. تراثنا ثروة لا نقدر قيمتها.

نستكمل الشخصيات والمجلات التي شاركتما في تأسيسها.

سميرة: عملنا في تأسيس مجلة علاء الدين.. أيام عزت السعدني. وإيهاب بدأ معه بشخصية ابن سفروتة، ثم عملنا عائلة برهان.. وهو ضابط بوليس جِدّ، ومعه حفيده سنوحي، وكل المغامرات تحدث في الأقصر؛ لكي نعرض الأقصر بلدنا في المغامرات.

إيهاب: حاجات شعبية جميلة.

وغير علاء الدين

شاركنا في مجلة تاتا تاتا

أعتقد أنها توقفت بعد رحيل فاطمة المعدول عن مركز ثقافة الطفل.

سميرة: عملنا كام عدد وخلاص كده.

ومجلة العربي الصغير.. عملنا شخصيات هُمام وزغلول ورمانة. وهذه نماذج من السيناريوهات التي نكتبها للاستربس.

الاستربس تعتبر فيلم رسوم متحركة مطبوعًا.

سميرة: نعم، لذا في الاستربس تقدم سيناريو به وصف للمكان والشخصية والحدث وكله.

لاحظت في شغل الأستاذ إيهاب أنه يقدم رسومه بمنظور سينمائي.. كان واضحًا في كتاب حكاية سلطان، خاصة…

إيهاب: الحصان.

الحصان هنا مجسم ومنطلق بميل على صفحتين كأنه يشقهما ويخرج من الكتاب.

سميرة: وهذا كتاب “الشمس والقمر”، ترجم للغة الألمانية. قصته باختصار أن الشمس والقمر اختلفا من يسود السماء، فكلما انتصرت الشمس، ظل الناس في نهار دائم، وعمل مستمر، وإذا انتصر القمر، ظل الناس نائمين، ولا يعملون شيئًا.

الأستاذ إيهاب لا يقدم مجرد رسم تعبيري للطفل، بل فنًا تشكيليًّا.

إيهاب: أصل أنا فنان تشكيلي.

والشخصيات عرايس شكلها بديع، حتى في الأعمال الكلاسيكية التراثية.

سميرة: تقصد في هنونة وجدتها سونة؟

نعم، تقدم رسائل مهمة للمجتمع كله.

سميرة: أنا جدي كان عنده أرض في المنيا؛ لأنه من المنيا، وكان عندما ينهي عمله، يخلع البدلة العسكرية، ويلبس الجلابية البلدي. ما لها الجلابية البلدي المصرية الجميلة؟ لماذا نترك تاريخنا وتراثنا، ونجري وراء أشياء لا هي خاصة بنا ولا تليق علينا؟!

الناس تؤلف تاريخًا، ونحن تاريخنا من كثرته نرميه.

سميرة: المنديل بـ “أوية” أربطه على رقبتي أحسن من أي إيشارب، و”أتعايق” به، “والناس بتبقى مسخسخة هناك برة على المنديل بتاعنا اللي إحنا محتقرينه؛ لأنه حاجة شعبية.. لأنه بتاعتنا”. تحزن عندما تحس أن الناس تستخسر فيك العائد مقابل جهدك.

المشكلة أنك لا تجدين هذه الأشياء اليوم.

سميرة: هذا هو المحزن.. عندك مصانع وناس تعيش على التصنيع. بدلاً من أن تشجعهم، وتجعل معهم فنانين، وتطور صناعتك، وتخلي الفانوس مثلاً أحلى، تحضر لهم منتجات بلاستيك “ما تساويش تلاتة تعريفة”، وتهين بها صناعتنا، فالناس تقفل؟! هل هذا كلام؟

هذا يحدث في كل المجالات.

سميرة: لماذا؟ انظر إلى شغل هذا الرجل. عندما تذهب إليه، وترى كراسي الجريد ممكن أن تضعها في الجنينة، ولا الأنفوشي والشبك وهم يصطادون السمك.

والعظمة التي رسم الأستاذ إيهاب بها الصياد.

سميرة: والفخار عندما ترى صناع الفخار.. مجددون فيه، وعملوا للجناين أشياء جميلة. يعني صناعة لم تندثر.

بسبب الطواجن

إيهاب: صعب أنها تتغير، أو تختفي.

سميرة: والزجاج وصناع الزجاج.

موجودون في الموسكي، في حارة داخل حارة، ويصنعون زجاجًا بألوان جميلة

سميرة: أنا واصفة للأطفال في الكتاب كيف يذهبون إلى كل هؤلاء وغيرهم؛ لكي يأخذهم أهاليهم إليهم؛ ليتعرفوا على تراثنا وصناعاتنا.

المفروض المدارس تعمل رحلات للأولاد لتوعيتهم وربطهم بتاريخنا

إيهاب: هذا الكلام المفروض يُنفَّذ.