الأسرار المدفونة فى تيران وصنافير

مع الغموض الذى يحيط برغبة الرئيس السيسى وحكومته وبرلمانه فى سرعة التنازل عن جزيرتى تيران صنافير المصريتين إلى السعودية، ضاربين بحكم المحكمة الإدارية العليا ومواد الدستور والاستنكار الشعبى معا عرض الحائط ، يبدو أن هناك المزيد من الأسرار الغامضة التى يخفيها حكامنا، والتى يبدو أنها تتعلق بترتيبات ستشهدها المنطقة، لا أحد يعرف، حتى الآن، أولها من آخرها.

فطبقا لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية فى عددها الصادر يوم الإثنين الماضى، فقد التقى الرئيس السيسى بشكل سري مع رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو وزعيم المعارضة اسحق هرتسوج فى قصر الاتحادية بالقاهرة فى منتصف سبتمبر الماضي، بعد لقائهما – السرى أيضا والذى اعترفت القاهرة ضمنا بعقده – فى ميناء العقبة فى فبراير من العام الماضى بحضور العاهل الأردنى الملك عبد الله، ووزير الخارجية الأمريكية آنذاك جون كيرى، لبحث ما أسمته الصحيفة “عملية السلام” مع الفلسطينين، دون أن تعطى مزيدا من التفاصيل، ودون أن يدرى أحد هل طالت هذه المباحثات ما يسمى ب” صفقة القرن ” التى ألمح إليها الرئيس السيسى خلال لقائه الأخير مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى واشنطن، أو تنازل مصر عن تيران وصنافير للسعودية، أو تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول خليجية، أو تشكيل حلف سني تشارك فيه إسرائيل لمواجهة إيران!

ويأتى تسريب “هآرتس” متزامنا مع أخبار تناثرت حول توقيع الرئيس السيسى اتفاقا سريا مع العاهل السعودى الملك سلمان بن عبد العزيز، يتضمن تنازل مصر عن جزيرتى تيران وصنافير للسعودية، مقابل إعطاء مصر حق السيادة على الجزيرتين لمدة 60 سنة على أن تدفع المملكة لمصر 2 مليار دولار سنويا مقابل حمايتها للجزيرتين، وهو اتفاق يفتح الباب أمام تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، ليمهد الطريق أمام إنشاء هذا الحلف السني مع الكيان الصهيونى، وضمان أمريكا لبقاء العرش السعودى صامدا فى مواجهة التغييرات الساخنة فى المنطقة التى أعقبت ثورات الربيع العربي، والتى كانت تهدد نظم الحكم العربية المحافظة، فى نفس الوقت الذى تؤيد فيه واشنطن فى ظل إدارة دونالد ترامب بناء هذا الحلف الشيطاني، الذى يعطى لإسرائيل قيادة الإقليم، وليس اعتراف دوله العربية بها فقط!

مثل هذه الخطط التى تمثل انقلابا واضحا على كل الثوابت الوطنية المصرية والعربية، تصب فى الأساس فى مصلحة إسرائيل الإستراتيجية، وتقدم لها هدايا مجانية للتوسع فى المنطقة العربية، وفرض نفوذها وضمان أمنها ونجاح مساعيها فى تصفية القضية الفلسطينية، وليس فقط نزع أى صلاحية قانونية لمصر لغلق ممر تيران أمام سفنها إذا توترت العلاقات معها مستقبلا؛ لأن الممر الملاحى سيصبح ممرا دوليا إذا تم التفريط فى الجزيرتين والتنازل عنهما للسعودية، بدون أن تلتزم إسرائيل بأى التزامات لتحقيق السلام مع الفلسطينين واعترافها بحقوقهم المشروعة، حتى بمفهوم الدول العربية المعتدلة التى فرطت طوال السنوات السابقة فى الحقوق العربية على كافة الأراضى الفلسطينية، واعترفت بوجود إسرائيل وباحتلالها لأراضى دولة عربية وتشريد سكانها الأصليين، بل واستمرارها فى حصارهم فى غزة، وانتهاك حقوقهم وحرياتهم.

ما ينتظر مصر من وراء السعى لتسليم الجزيرتين للسعودية الكثير من الكوارث، بدأنا نشهد بوادرها بعصف السلطة الحاكمة فى مصر بدولة المؤسسات، ووضع السلطتين القضائية والتشريعية على حافة مواجهات مفتوحة على كل الاحتمالات، واعتقال مئات المعارضين لاتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية، ومنع التظاهر فى إهدار واضح للدستور، وإغلاق المواقع الإخبارية، وتضييق المجال العام بمنتهى الغلظة والفظاظة، وهى إجراءات تدفع باتجاه فوضى نتيجة تراكم الغضب الشعبي من مجمل سياسات السلطة التى تعدت حدود رفع الأسعار لمستويات فلكية، إلى تخوم التفريط فى الأرض عبر مفاوضات سرية، واتفاقيات تعقد فى الغرف المغلقة دون أن يدري عنها المصريون شيئا!

الطريق الذى يسير فيه الرئيس السيسى وحكومته لن يصل إلى محطته النهائية، إلا عبر إقامة دولة أمنية يحكمها ديكتاتور، وهو وضع قد يستمر لفترة، ولكنه بالقطع لن يصمد طويلا..!