ابن عطاء الله السكندري.. صاحب الحكم

كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟، أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله ولم يتطهر من جنابة غفلاته؟، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟.. هكذا كان يتحدث ابن عطاء الله السكندري، وهو يدل المريدين، ويأخذ بيد من سمت تطلعت أرواحهم إلى الله، واتخذوا من تزكية أنفسهم معراجا إلى السماء.

هو قطب العارفين وترجمان الواصلين، صاحب الحِكم، تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن عيسى بن الحسين بن عطاء الله الجذامي.. المالكي مذهبا، الإسكندري دارا، القاهري مزارا، الأشعري عقيدة، الصوفي حقيقة، الشاذلي طريقة، الجامع لأنواع العلوم من تفسير، وحديث، وفقه، وتصوف، ونحو، وأصول، ضم علوم الشريعة إلى أنوار الحقيقة، حتى صار شيخ الطريقين، وإمام الفريقين.

ولد بالإسكندرية عام 658 هجرية، وعلى أرضها نشأ وتعلم، وفيها درس التفسير والحديث والفقه وأصوله على الشيخ ناصر الدين بن المنير، وتلقى علم الكلام والفلسفة على الشيخ شمس الدين الأصفهاني، واكتمل تكوينه العلمي وهو مخاصم لأهل التصوف معاد لهم، حتى كان لقاؤه بأبي العباس المرسي، فتبدل حاله، وتغير مساره.

كان في الطور الأول من حياته ينُكر على الصوفية إنكارا شديدا تعصبا منه لعلوم الفقهاء، فما أن صحب شيخه أبا العباس المرسي واستمع إليه بالإسكندرية حتى أعجب به إعجابا شديدا وأخذ عنه طريق الصوفية وأصبح من أوائل مريديه.

يقول عن نفسه في كتابه لطائف المنن: جرت بيني وبين أحد أصحاب سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه قبل صحبتي له خصومة، وقلت لذلك الرجل: ليس إلا أهل العلم الظاهر، وهؤلاء القوم يدّعون أمورا عظيمة وظاهر الشرع يأباها، وسبب اجتماعي به أن قلت في نفسي بعد أن جرت تلك الخصومة: دعني أذهب أنظر إلى هذا الرجل فصاحب الحق له أمارات.. قال فأتيته فوجدته يتكلم في الأنفاس التي أمر الشارع بها فأذهب الله ما كان عندي.

قال له مرة شيخه أبو العباس المرسي: الزم، فوالله لئن لزمت لتكونن مفتيا في المذهبين – يريد مذهب أهل الشريعة ومذهب أهل الحقيقة – ثم قال والله لا يموت هذا الشاب حتى يكون داعيا إلى الله وموصلا إليه، والله ليكونن لك شأن عظيم.

ثم كان الرحيل من الإسكندرية إلى القاهرة، وفيها علا شأنه، وبرز نجمه، وجلس للتدريس بالجامع الأزهر، فالتفت حوله جموع المريدين، ينهلون من معينه، ويفيضون على أنفسهم من أنوار حكمه، ويصف الإمام الذهبي مجلسه قائلا: كانت له جلالة عظيمة، ووقع في النفوس، ومشاركة في الفضائل، وكان يتكلم – بالجامع الأزهر فوق كرسي- بكلام يروّح النفوس.

وقال عنه ابن حجر في الدرر الكامنة: صحب الشيخ أبا العباس المرسي، صاحِب الشاذلي، وصنف مناقبه ومناقب شيخه، وكان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه.. وكان من كبار القائمين على الشيخ تقي الدين ابن تيمية”.

ترك ابن عطاء الله تراثا صوفيا كبيرا، ينهل منه السائرون على درب تزكية الأنفس، ومنه: كتابه “عنوان التوفيق في آداب الطريق” الذي شرح به قصيدة القطب الصوفي الغوث أبو مدين (ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا)، وتاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس، والمرقى إلى القدير الأبقى، والتنوير في إسقاط التدبير، والقصد المجرد في معرفة الاسم المفرد، والطريق الجادة في نيل السعادة، ومفتاح الفلاح ومصباح الأرواح في ذكر الكريم الفتاح.

كما جمع ابن عطاء سيرة شيخه الذي لازمه اثني عشر عاما أبي العباس المرسي، وشيخ شيخه أبي الحسن الشاذلي، في كتابه لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس والشيخ أبي الحسن، وهو عبارة عن مقدمة وعشرة وأبواب وخاتمة، المقدمة في تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم على جميع بني آدم، وذكر أقسام الولاية، وما تبقى تعريف بشيخه أبي العباس وبعلمه ومجرباته وما فسره من الآيات والأحاديث، وما ذكره من كلام أهل الحقائق ودعائه وشعره، وله في الفقه المالكي مختصر تهذيب المدونة لأبي سعيد البراذعي.

لكن أثره الأكبر على الإطلاق، ودرته الباقية أبدا، فتتمثل في كتابه المعروف بالحكم العطائية، الذي اشتهر في ديار الإسلام من أقصاها إلى أقصاها، ونال من الذيوع والشهرة ما لم ينله مؤلف صوفي آخر، ولقي اهتماما بالغا من كل المهتمين بالتربية الروحية، والتهذيب السلوكي.

والحكم العطائية هي خلاصة تجربة صوفية عميقة، سبرت أغوار النفس الإنسانية، وخبرت طرائق تجريدها عن كل شائبة، وتنقيتها من أي تعلق إلا بالذات العلية، والحضرة القدسية، صاغها ابن عطاء في أكثر من مئتي حكمة بعبارات مختصرة بعيدة الغور، تغلفها مسحة من الغموض الذي يثير الفضول، ويدعو لبذل الجهد في الفهم.

“من علامة الاعتماد على العمل، نقصان الرجاء عند نزول الزلل- إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله في التجريد انحطاط عن الهمة العليــة- سوابق الهمم لاتخرق أسوار الأقدار- أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك لا تقم به لنفسك-اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك، دليل على انطماس البصيرة منك- ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه- ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك- متى فُتح باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء- لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبا ليأسك، فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد”.

هكذا يتدفق ابن عطاء الله بهذه المعاني الصوفية الجليلة، ويأخذ بأيدي السائرين على الطريق إلى آفاق علوية سامية، وينتقل بهم من ضيق المادية المنحبسة في الجسد إلى سعة الروحانية المنطلقة إلى الله، ومن ظلمة النفس الأمارة بالسوء إلى أنوار الروح المتطلعة إلى الإشراق الإلهي.

“ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه”.. حكمة نفيسة يرسلها ابن عطاء في العقول والقلوب، يؤدب بها من يتصدر دون أن يتهيأ، ومن يتعجل الثمرة قبل نضجها، مؤكدا أن مرحلة التكوين لا تتم إلا بإرغام النفس على الابتعاد عن الظهور، وتواريها عن الشهرة والأعين، ويمثل لذلك بالنبات، فالبذرة التي تكون على السطح، ولا يكتمل دفنها في الأرض، تقتلعها الريح، لأنها نمت على جذور هشة ضعيفة.

حظيت حكم ابن عطاء الله باهتمام عدد كبير من العلماء والمتصوفة، من القدامى والمعاصرين، وضعوا لها الشروح والتوضيحات، ومن أبرزها كتاب إيقاظ الهمم في شرح الحكم، للشيخ أحمد بن عجيبة الحسيني، وسواطع الحكم، للخطيب الشربيني، وغيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية، لابن عباد النفزي الرندي، ومنها أيضا شرح أبي الطيب إبراهيم بن محمود الأقصراني المواهبي الشاذلي الحنفي، سماه: أحكام الحكم في شرح الحكم، وشرح الشيخ أحمد زروق، وشرح الشيخ نور الدين البرفكاني، وشرح الحكم، لعبد الله بن حجازي الشرقاوي، وشرح محمد حياة السندي المدني، وشرحها أيضا صفي الدين أبي المواهب، ومحمد بن إبراهيم المعروف بابن الحنبلي الحلبي، وأيضا شرحها الشيخ الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي.

كما ترجمها إلى الإنجليزية المستشرق البريطاني آرثر إربري، رئيس قسم الدراسات القديمة بكلية الآداب، جامعة القاهرة، (توفي 1969) كما ترجم المستشرق الإسباني المهتم بالتصوف ميجيل آسسن بلاسيوس (توفي 1944) عددا منها مع شرح الرندي.

آلت إلى ابن عطاء الله زعامة الطريقة الشاذلية بعد وفاة شيخه أبي العباس المرسي، وكان التلميذ وأستاذه معاصرين لابن تيمية الذي كان يعادي الصوفية عداء شديدا، ويصفهم بأنهم أصحاب الحلول، ووحدة الوجود،

ويشير ابن حجر العسقلاني إلى أن نقد ابن تيمية للشاذلي وطريقته لاقتا ردا عنيفا من ابن عطاء الله، فوضع كتابه “لطائف المنن في مناقب المرسي وأبي الحسن”، ردا على ابن تيمية الذي هاجم أبا العباس المرسي وأبا الحسن الشاذلي. يذكر بروكلمان أن ابن عطاء الله كان يحذر مريديه من الإصغاء إلى أعداء الصوفية الآخذين بعلم الظاهر، ويحضهم على الفرار منهم فرارهم من الأسد، وكان يقصد بأتباع علم الظاهر ابن تيمية ومن نحا منحاه.

توفي ابن عطاء الله السكندري عن 49 عاما بالمدرسة المنصورية بالقاهرة سنة 709 هجرية، ودفن بمقبرة المقطم بسفح الجبل بزاويته التي كان يتعبد فيها، شرقي ضريح الإمام الليث بن سعد، وضريحه معروف مقصود بالزيارة، وشيع في محفل كبير من مريديه وتلامذته، بعد حياة أنفقها في تزكية الأنفس، والأخذ بيد السائرين إلى الله.