أين ذهبت الحركة الوطنية المصرية؟

لم أتبين ملامحه جيدا في الظلام وهو يخرج من أحد مستشفيات القاهرة، في زيارة لأحد معارفه، بادر بمناداتي والسلام عليّ والسؤال عن الأحوال، فعانقته بمودة وحب وبادرته بالسؤال إلى أين نحن ذاهبون؟ فابتسم مرددا مقولة الراحل العظيم جلال عامر “مش كنت تسأل قبل ما تركب”، هو أحد رجالات مصر الشرفاء وأحد أهم رموز استقلال القضاء، من أطلقت حركتهم فى العام 2005 نوازع الحرية والاستقلال الوطني من عقالها، وألهمت وثبتهم كل الأحرار في مصر، قال والدموع تكاد تغلبه أنا أمارس العمل العام وأنا في الابتدائية، لم أتوقف عن الحلم بتحرر هذا البلد وانطلاقه إلى ما يستحق من مكانة، لم أتوقف يوما عن النضال من أجل هذا الهدف ولم تثنني الضغوط أو السجون، أو الاغتيال المعنوي الذي درجت عليه الدولة في مواجهة كل مناضل وطني حر.

هو واحد من كوكبة ظلت تنير حياتنا وتدلنا على الطريق الصحيح لتحرر هذا الوطن ونمائه، ممن لم يكونوا يوما طرفا في أي تنازل عن الأرض أو الإرادة، معارضون وطنيون لكل نظام لا يمضي مع أحلام الناس وتطلعاتهم ولا يعرف قدر هذا البلد، رؤيتي لهذا الرمز الوطني دفع إلى ذهني هذا السؤال الذي صدرت به مقالي، في كل عصر كان النظام السياسي يجد المعارضة التي يستحقها من أحرار هذا البلد، والتي كانت تعكس في النهاية حالة الوعي الشعبي ووعي النخبة بقضايا الوطن، اليوم أين ذهبت هذه المعارضة الوطنية؟

قبل ثورة يوليو، كان الحزب الوطني وحزب الوفد ومصر الفتاة والإخوان المسلمين والشيوعيون، أبرز القوى السياسية، التي تباينت مواقفها ومشاربها واتجاهاتها وبالطبع مشاريعها، وباستثناء الإخوان المسلمين الذين كانوا يريدون قلب نظام هذه الدولة وتحويلها باتجاه مشروع مناف لفكرة الدولة الوطنية، فقد ظلت كل هذه القوى منخرطة في معارضة جادة من أجل الإصلاح والتغيير للأفضل، لكن ضمن إطار دولة وطنية وإن تغير شكل نظامها السياسي من ملكي إلى جمهوري كما كان يحلم أكثرهم، لذا لم تنخرط تلك القوى باستثناء الإخوان في معارضة شرسة لمشروع جمال عبدالناصر الوطني، الذي حظى برضا نسبي من تلك القوى التي لم تناصبه العداء وإن لم تتفق معه بشكل كامل في كل ما سلكه.

بعد رحيل عبدالناصر، بدا أن الحياة السياسية قد تشوهت إلى حد خلق ثنائية جديدة، أحد أطرافها شبكات المصالح التي خلقها السادات وتمظهرت في بقايا الاتحاد الاشتراكي، الذي تحول إلى حزب مصر قبل أن يصبح الحزب الوطني الديمقراطي، الذي مثل قطيعة مع حزب مصطفى كامل اسما ورسما ومعنى، بينما جسد الطرف الثانى الإخوان المسلمون الذين أفصحوا أكثر عن حقيقة مشروعهم، بالحركة من خلال بعض الأحزاب التي صدقت أنهم وطنيون مؤمنون بالدولة الوطنية، ومن ثم تحالف معهم الوفد ثم حزب العمل وحزب الأحرار، بل وبعض أطراف اليسار المصري، وقوعا تحت غواية الجموع التي لديها سمع وطاعة اعتبرته تلك الأحزاب لونا من ألوان الالتزام التنظيمي المحمود للقواعد، الذي كانت تفتقر له تلك القوى ومن ثم فقد استقر البناء السياسي المصري على هذا الثنائي، الذي كان عملة من وجهين لواقع سياسي مشوه غير قادر على المضي بمصر في الطريق الصحيح.

من ثم، جسدت القوى الوطنية التي وثقت في تيار الإخوان وخدعت بخطابه نخبة جديدة أطلقت في العام 2004 مشروع كفاية، الذي لم يغلق الباب أمام الإخوان كفصيل وطني، وظلت تلك القوى تعطيه الفرصة تلو الأخرى حتى قامت ثورة يناير على نفس الواقع، وبدا أن الخطوة هي خارج صندوق الحياة السياسية المغلق، حيث تحركت جموع غير مسيسة لا يربطها سوى هدف واحد هو النقمة على هذا النظام والرغبة في تغييره، دون امتلاك برنامج أو تجمع سياسي أو حزبي قادر على ترجمة تلك الطموحات إلى برنامج عمل وطني قابل للتطبيق، ومن ثم نجحت القوى التقليدية وفق نفس الثنائية في التقاط الحكم الذي التقمه الإخوان لعام، كان بالإمكان أن يمتد لأعوام طويلة لو انخرطوا في شراكة وطنية حقيقية مع الحركة الوطنية المصرية، التي اشترطت عليهم في “فيرمونت” شروط قبلوها خوفا وطمعا، وحين أدركوا الفوز بمقعد الرئاسة قلبوا أيديهم وتملصوا من الاتفاق، فغرقوا في طمعهم ليلتقم الحكم من جديد الطرف الثاني الذي أدار تلك الدولة عبر عقود وعرف كيف يلتف على الثورة ويحتويها، ويغلق عليها في صندوق محكم مع الاحتفاظ بالإخوان كرأس للذئب الطائر يخيف الجميع.

وفجأة خلا المسرح تماما من اللاعبين وبدا الملعب فريق في مواجهة الفراغ القاتل الصامت، فجأة اختفت الحركة الوطنية التي تم إرهابها بالمواجهة مع الإرهاب وضرورة تثبيت مؤسسات الدولة، وتفرقت تلك الجبهة الوطنية المتنوعة التي لم تعد قادرة على أن تنبس ببنت شفاة، معزولة بنكران الناس من جهة وإرهاب النظام السياسي من جهة أخرى والذي تصور أن يناير خطأ لا ينبغي أن يتكرر مرة ثانية، وأن سد كل الأبواب المؤدية إليه هو الذي سيحول دون سقوط مصر في الفوضى التي يمضي فيها النظام مطمئنا وواثقا، مدعيا أنها قد أصبحت “قد الدنيا بالفعل”، إلى حد أن الناس لم تعد تسأل أين ذهبت الحركة الوطنية! من الطبيعي ألا نسأل عن الحركة الوطنية بعد أن غاب الوطن الذي نعرفه خلاف غلالة قاتمة من اليأس والإحباط، أخفت تماما وجه مصر الحقيقي، لكن يبقى السؤال هل يمكن أن نحظى بوطن حقيقى دون أن تتقدم الصفوف حركة وطنية تبنى على تراث الأحرار في هذا البلد وتقدم رؤيتها للتغيير.. أشك!