أول الخيانة.. كلمة

هو زمن الحرب. زمن أصبحت فيه يومياتنا أشبه بعبور حقل ألغام لا ينتهي. هذه الحرب التي تمتد على مختلف ميادين حياتنا وتتخذ في كل بقعة شكلا مختلفا, جعلتنا جميعا مقاتلين، بل مقاومين, ما دمنا لم نفقد اليقين بهوية العدو ولم نسقط في مستنقع الانهزام. من هنا, يصبح النقاش مع ما سمّي “الرأي الآخر” في ما خص تلك المفاهيم البديهية ضربا من الجنون, والوجع.

منذ سنين, ورائحة البارود تفوح في كل أرض عربية، وبها تختلط رائحة الدم الذي لم يبق بيت لم يتحسس نزفه، سواء تلك البيوت التي قدمّت شهداء وبكت بالسرّ ألم الفقد أو تلك التي لها محطة يومية مع نشرات الأخبار التي تقدم لنا, في كل أمسية, ما يشبه لائحة بقرابين ارتفعت لأجلنا جميعا.

وقد تبدأ الخيانة في اللحظة التي نفقد بها الشعور بأن كل شهيد يرتقي إنما يقدم حياته لنا جميعا, سواء في ساحات الاشتباك مع الصهاينة أو في ميادين الالتحام مع أدواتهم.. في اللحظة التي لا نشعر فيها أن كل شهيد تحت ركام بيته أو مدرسته إنما هو ابن قلوبنا وشقيق روحنا.. في اللحظة التي لا يرتجف نبضنا لسماع حكاية شهيد غدرته الخيانة في شارع أو في مقر عمل.. تبدأ الخيانة حين نفكر لحظة في تحييد العدو الصهيوني عن مسؤوليته تجاه كل وجع ينتابنا على امتداد الأرض العربية.

لذا, ليس تخوينا أن نقول إن كل عقل يدبّر حيلة تبرئ الصهاينة من جرح سوريا أو نزيف اليمن أو وجع مصر أو حزن العراق أو ألم البحرين إنما هو عقل يخون. وليس اتهاما ظالما أن نعتبر أن كل من يحاضر بالتسويات مع العدو على أرض فلسطين إنما هو عقل عميل. وليس افتراء أن نعتبر أن كل من يحاول أن يكتب نظرية مفاضلة بين الصهيوني وأدواته إنما هو عقل يمارس الجاسوسية ويسوّق لها.

في كل هذه الحالات, يصبح التوصيف الموضوعي للحالة هو الخيانة, ولا شيء يبرر الخيانة أو يجعلها تبدو طبيعية, مهما سقط أفراد في فخ الشعارات الفارغة التي تبدأ بالسلام ولا تنتهي بفكفكة الصراع حتى يبدو وكأنه حروب متفرقة.. هي حرب واحدة يخوضها كل منا بشكل، وأحد أشكالها منع تسويق فكرة أو نموذج “العمالة وجهة نظر”.

تحفل مواقع التواصل كما المقاهي والأماكن العامة بنقاشات لا تنتهي، هذه النقاشات التي أصبحنا نسمع فيها أقوالا ونظريات تشي بخيانة أصحابها, سواء علموا ذلك أم لم يعلموا.. نعم, حتى ذلك الذي يقول مثلا إن الصهاينة أرحم بنا من التكفيريين, وإن كان في ظاهر قوله يعبّر عن قهر ما, يكون قد سمح لنفسه بتقبّل العدو كطرف رحيم, ولو نسبيا. المسألة ببساطة تبدأ من اختيار زاوية الرؤية التي أباحت هذا القول. الأصح, في نفس المثال, القول بأن التكفيريين هم مجرد أداة صنعها ويستعملها  العدو في كل مكان يعجز فيه عن المواجهة باسمه ووجهه الأصلي. قد يبدو الأمر مجرد لغط لغوي، لكنه في العمق ليس كذلك, هذا الاعتياد اللغوي يشكل حجر أساس للتطبيع الذي لا يوفر الصهاينة جهدا لتسويقه. ثمة أمثلة كثيرة على هذا الأمر لا يتسع المجال لذكرها كلها, إلا أن الفكرة ببساطة تبدأ من كل كلمة نقولها أو نسمعها.. وكذلك الخيانة, هي فكرة, تبدأ كذلك ثم تجد أرضا خصبة لتنمو وتصبح فعلا جاسوسيا أو عملا تطبيعيا.

بناء على ذلك, لا يمكن تقييم الكثير من النقاشات التي نشهدها إلا من زاوية الرؤية التي يختارها أصحابها بالنظر إلى طبيعة الصراع وتشعباته. ويستحيل اعتبار الكلمات والآراء مجرد كلمات وآراء طالما هي تصب في القول والفعل الخياني, وإن عبر رافد هزيل، فمثلا تسمية الشهداء بالقتلى ليست مجرد صياغة لغوية, واعتماد تسمية “إسرائيل” في الإشارة إلى فلسطين المحتلة ليست مجرد حروف على الخارطة.. هنا, هنا تماما تبدأ الخيانة، وإن سماها البعض “حرية تعبير” أو جار الزمن لتصبح في قواميس السياسة “رأي آخر”!

هو دورنا جميعا, نحن أبناء المنظومة التي تقول بفطرتها وتتكلم بوعيها وتتحدث بمشاعرها, أن نواجه الخيانة تماما كما نواجه العدو،أن نوقف كل نقاش يدور حول بديهية أن الصهاينة هم العدو الذي تفرع منه وكلاء كثر, سيسقطون تلقائيا يوم يسقط. هو دورنا أن نواجه الكلمات حتى.. لأن بعض الكلمات خيانة موصوفة.