أحمد زكي باشا.. صاحب الخزانة

ظلت الكتابة العربية مفتقدة إلى “علامات الترقيم” التي لا تكاد تستقيم القراءة بدونها، حيث تضطرب العبارات عند اضطراب الوقف والابتداء، بل قد توهم معاني خلافا لمراد الكاتب، فكأن القارئ يخبط في ظلمات، ويتعثر في عقبات، إلى أن أتى من يستنقذها من هذه الحالة المزرية، بما يمنحها الإشراق والوضوح والتأنق، ويسهل للقارئ تعامله مع النصوص المكتوبة، سواء في مقالات الصحف والكتب الحديثة، أو كتب التراث التي هي إلى هذه الخدمة الجليلة أحوج.

أحمد زكي باشا إبراهيم.. علم من أعلام اللغة والأدب وتحقيق التراث والمخطوطات وحفظ الآثار.. أنفق جل عمره في دأب وبحث وكتابة وترجمة، وترك لنا مكتبته الخالدة التي أسماها الخزانة الزكية، حاوية أكثر من 18 ألف كتاب ومخطوط، وأسدى إلى العربية أيادي بيضاء استحق بها أن يلقب عن جدارة بـ”شيخ العروبة”.

في الإسكندرية ولد، وتخرج من مدرسة الإدارة (الحقوق حاليا) عام 1887، وعين مترجما بمجلس النظار (الوزراء)، وتدرج في المناصب حتى صار سكرتيرا للمجلس، إلى أن أحيل إلى التقاعد عام 1921.. كان في وفرة من المال، وجعل ثروته في خدمة مشاريعه لتحقيق التراث، والمنافحة عن اللغة.. أتقن الفرنسية تماما، وألم بالإنجليزية والإيطالية، وتأثر بثلاثة من رواد النهضة: رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده.

وقد لخص الأستاذ أنور الجندي في كتابه “أحمد زكى باشا الملقب بشيخ العروبة” حياة الرجل العلمية في مراحل ثلاثة: أولاها، جمع التراث العربي من مكتبات الآستانة وأوربا والمشرق والمغرب ونقله بالفوتوغرافيا ومراجعته والتعليق عليه وطبعه ونشره. وثانيها، مراجعة هذا التراث ودراسته واستيعابه وتكوين خزانته الزكية والتعليق على ما تضم من مؤلفات، وإعداد جذاذات في مختلف فنون الأدب والتاريخ والجغرافيا.. أما المرحلة الأخيرة من حياته فتبدأ بعد إحالته إلى المعاش سنة 1921 حتى وفاته، وهى أخصب فترات حياته، حيث نشر عشرات المقالات والأبحاث وتوسع في صلاته بزعماء العالم العربي”.

جمع أحمد زكي باشا عددا كبيرا من الكتب النادرة والمخطوطات العربية المهمة، لا سيما أثناء زياراته لتركيا وفرنسا وألمانيا، حيث كان يستخدم التصوير الشمسي لنقل المخطوطات، ويعد أول من وضع الأساس العلمي الحديث لفن “التحقيق” في العالم العربي.. ولتميز جهوده ودأبه المتواصل اهتم به الخديو عباس حلمي الثاني، واختاره أكثر من مرة لتمثيل مصر في مؤتمرات المستشرقين، ومنها مؤتمر لندن عام 1893، ومؤتمر أثينا عام 1910.

ولعل أعظم مآثر أحمد زكي باشا، وضعه “علامات الترقيم” للكتابة العربية، التي كان يعاني غير المتمرس أثناء قراءتها، بسبب التباس مواضع الوقف، وتداخل أواخر الجمل في أوائل تالياتها، فجاء كتابه “الترقيم وعلاماته في اللغة العربية” يبين للكاتب والقارئ العربي كيف تستخدم الفاصلة، والنقطة، والنقطتان، والثلاث، وعلامة الاستفهام، والانفعال، والفاصلة المنقوطة، والأقواس، وعلامات التنصيص، وغيرها.. مما أكسب النص العربي المكتوب بهاء ورونقا ووضوحا.

ألف أحمد زكي باشا 31 كتابا، نذكر منها: “آثار العرب الخالدة في أوروبا”، و”ألف مقالة ومقالة” و”إحياء الآداب العربية”، و”ابن زيدون” و”الحضارة الإسلامية”، و”مفتاح القرآن” و”الدنيا في باريس ومصر”، والتجارة في الإسلام”.. كما ألف 10 كتب باللغة الفرنسية.

قدم أحمد زكي باشا مكتبته “الخزانة الزكية” هدية لوزارة الأوقاف عام 1921 مشترطا أن تبقى باسمه، وأن تظل مستقلة عن دار الكتب، وقد نقلت المكتبة من مكان إلى آخر ثم استقرت بمدرسة السلطان الغوري، لكن “الأوقاف” لم تستطع الالتزام بشرط صاحب الخزانة، فنقلتها بعد وفاته إلى دار الكتب.

تضمنت “الخزانة الزكية” مجموعات كاملة من المصورات والخرائط والفرمانات شديدة الندرة، وآلاف الكتب النفيسة في الطب والفلسفة والعلوم والقانون والكيمياء والطبيعة وآلاف المخطوطات المطبوعة والمصورة، وما يقرب من ألف مقالة.. لقد أنفق الرجل أموالا طائلة لشراء المكتبات النفيسة مثل مكتبة البرنس محمد إبراهيم، ومكتبة محمد بك واصف، ومكتبة علي باشا إبراهيم، وحسن حسني باشا.

ويقول عنه الأستاذ أحمد حسن الزيات: لقد كان علَما من أعلام هذا العصر، ورسولا من رسل هذه النهضة.. ولكل واحد منهم ناحية من نواحي الإصلاح أشرقت فيها نفسه، وانتشر في جوانبها سناء. وهم يمتازون من النابغين والنابهين بأن لهم عقيدة فطرية قوامها الإيمان والعصبية، ورسالة روحية بلاغها الجهاد والتضحية. فمحمد عبده في الناحية الدينية، ومصطفى كامل في الناحية الوطنية، وقاسم أمين في الناحية الاجتماعية، وسعد زغلول في الناحية السياسية، وأحمد زكي في الناحية القومية”.